طه عبد الرحمن والعقل المجرد

ما مَـحَـلُّ ٱلنِّـزاع ٱلْـأَساسيّ في فِـكْـر “طه عبد الرحمن”؟ إنه بـٱلضَّـبْط ٱستشكالُه لما يُسَـمِّـيه «ٱلْـعقل ٱلْـمُجَـرَّد» بما هو «ٱلْـعقل مُجَـرَّدًا من ٱلْـعَـمَل ٱلدِّينيّ»، أَيْ “ٱلْعقل” في مُـواجَهته لمجموع “ٱلْحُدُود” ٱلمُـتعلِّقة بكونه هذا «ٱلْـفِـعْل ٱلبَـشريّ» ٱلْـمُتعَـيِّـن في ٱلْمُـمارَسة ٱلنَّظريّة ٱلسّائدة. ولذا، فما يُـنازِع فيه خُصومُ “طه” يَـرْجِع أَساسًا إلى أُمُـورٍ ثَــلَـاثة: أَوّلًـا، ٱلْـقول بأنّ “ٱلْعقل” فِـعْـلٌ من أَفْـعال ٱلْـإِنْـسان على ٱلنّحو ٱلذي يَجعلُه فِـعْلًـا “يَحْـسُن” أو “يَـقْـبُح” و”يَـتغيَّـر” وقابِـلًـا لِـأَنْ “يَـكْـتمل” إلى ما لَـا نهاية؛ وثانيًـا، ٱلْـقول بأنّ هُـناكـ حُـدُودًا لـ”ٱلْـعَـقْـل” مُلَـازِمة لكَـيْـفيّة ٱشْتغاله ٱلشّائعة؛ وثالثًا، ٱلْـقول بأنّ «حُدُود ٱلْعقل ٱلْـمُجَـرَّد» لَـا يُمْكن تَجاوُزها إِلَّـا على أساس ٱلدُّخُـول في «ٱلْـعمل ٱلدِّينيّ» ٱلذي يَصيرُ، من ثَـمّ، مَـناطَ «تَجْـديد ٱلْـعقل» بـﭑلتّغلُّب على حُدُوده أو مَحْـو آفاته. وٱلِـاعْـتراض على هذه ٱلدَّعاوى ٱلثَّــلَـاث لَـا يأتي فقط من غَـلَـبَة تَـصَـوُّر “ٱلْـعَـقْل” كمَـثَـل أَعْـلى يتجاوز «ٱلْـواقع ٱلْـعَـمَليّ»، بل يأتي أيضا من تَجاهُـل مَحْـدُوديّته ٱلثّابتة في إِنْـتاجاته من جَـرّاء ثُـبوت مَحْـدوديّة وُجُـود ٱلْـإنسان وفِـعْـله بـٱلنِّسْبة إلى ٱلشُّـرُوط ٱلْموضوعيّة لهذا ٱلْـعالَـم. وأمّا أشدّ ما يبدو فاضحًـا في دعاوى “طه” تلكـ، فهو قَـوْلُـه بأنّ “ٱلدِّين” يُـمَـثِّـل مَصْدرَ «تجديد ٱلْـعقل». وتُـعَـدُّ هذه ٱلدَّعْـوى فاضحةً عموما للمُتفلسفة في إيمانهم بأنّ “ٱلْـعقل” وحده هو مصدر «تَجْـديد ٱلدِّين»، وفاضحةً بـٱلخُصوص لكُـلّ مَـنْ يُـؤْمِـن بـ”ٱلدِّين” وتَـراه حريصًا على فَـصْله عن “ٱلْـعَـقْل” أو مُـسْتبعِـدًا إِمْـكان إفادته له. وإِذَا ٱتّضح هذا، فَـلَـنْ يَصْعُبَ تَـبَـيُّنُ أنّ فِـكْـر “طه عبد الرحمن” يُـعَـدّ ٱنْـقِـلَـابًا جِـذْريًّـا في مَجال “ٱلْـفلسفة” مُنذ “كَـنْط”، مِمّا يَـتطلَّب جُـرْأةً غير عاديّة لمُسايَـرته فيه (جُـرأة هي “ٱلْـبَـلَـاهة” عَـيْـنُها في ظَـنّ كثيرين!). وقد لَـا يخفى أنّ ٱستسهالَ ٱلِـاعتراض على فِـكْـره أو ٱلْـمَـيْـل إلى رَفْـضه إنّما يُعَـبِّـر عن إرادة لمُواصَلة ٱلتَّـفْكير داخل ٱلنَّـمُوذج ٱلسّائد كأنّـه ٱلْـوحيد ٱلمُـلْـزِم كَوْنيًّـا. ومن ٱلْـمُسْـتغرَب جدًّا أن يَـكُون ذاكـ حالَ مُسْـلِـمين مُتديِّنين لَـا يُـنْـكِـرُون مشروعيّة “ٱلدِّين” أَصْلًـا أو لَـا يَـتوانَـوْن عن تأكيد مَـرْكزيّته ٱلرُّوحيّة. أَمّا مَـنْ يُـنْكِـر مشروعيّةَ “ٱلدِّين” (بَـلْهَ مَـرْكزيّتَه) أو لَـا يرى إِمْكانَ تأسيسها إِلَّـا في حُـدُود «ٱلْـعقل ٱلْمُجَـرَّد»، فَـيُتوقَّع منه أن يَـرْفُـض فِـكْـر “طه” رَفْـضًا بحيث يُطالَـب حينها فقط بأنْ يُـبَـيِّن كيف يُمْـكِـن تَـجاوُزُ حُـدُود هذا “ٱلْـعَـقْل” مع ٱلْـبَـقاء ٱلضَّرُوريّ داخله!..
عبد الجليل الگُور

عبد الجليل الگُور

كاتب مغربي، متفلسف ومترجم

ذات صلةالمقالات