تمهيد:
تعتبر الجامعة القيادة المعرفية والعلمية لكل المجتمعات كما عبر عن ذلك العديد من الباحثين المهتمين بهذا الشأن. الأمر الذي يجعلها في حاجة إلى اهتمام كبير حتى تحتل المكانة التي تساعدها وتؤهلها للقيام بمهمة المساهمة في قيادة ركب التنمية والنهضة الشاملة. فالتاريخ أثبت أن دور الجامعات مهم في التنمية الإجتماعية وبناء حضارة إنسانية متقدمة، لأن دور هذا الفضاء المجتمعي المصغر لا يقتصر فقط على التنظير الفكري والتحليل بل يتعداه إلى التأثير في البنى الإجتماعية المحيط به[1]، طبعا هذا الدور لا يمكنه أن يتحقق إلا بوجود مناخ علمي أكاديمي تسوده الحرية التي تكفل الإبداع والإنتاج العلمي والمعرفي المسنود بمرجعية أخلاقية وقيمية تضبط سلوك وحركية الفاعلين، إضافة إلى دعم الدولة للجامعة واقتناعها بأن مكوناتها هي مستقبل الوطن والأمة.
في الحالة المغربية، تعاني الجامعة من أزمة حقيقية، ما انفك العديد من الفاعلين في مختلف المستويات يؤكدونها، عنوان هذه الأزمة هو انفصال الجامعة عن المجتمع. هذا الانفصال يتجلى في اغتراب مخرجات الجامعة عن الهموم الراهنة والأسئلة الملحة والقضايا المؤرِّقة والمهمّة للمجتمع المغربي. الأمر الذي يجعل من الهوة التي توجد بين الجامعة والمجتمع حجر عثرة تحول دون إسهام الجامعة في مسار التقدم والتنمية والابتكار والإشعاع. فواقع الحال بالجامعة المغربية لا يحيل سوى إلى التخبط ومزيد من العزلة لهذا المرفق، حيث أصبح ينظر إليه كمشتل لصناعة الفشل وتصديره للمجتمع. فعموم المواطنين لا يعرفون شيئا عن الجامعة، غير أنها محطة لمتابعة دراسة ما بعد الباكالوريا، ومكان لتخريج العاطلين وإنتاج العنف فقط.
بالتالي لا يمكن الحديث عن جامعة المعرفة القائدة لقطار التنمية والتقدم دون التحامها بمجتمعها المحيط بها قيميا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا[2]. لهذا فالجهود البحثية التي تستهدف كشف العورات الحقيقية للجامعة؛ والرامية في نهاية المطاف إلى إيجاد إجابات ومقاربات تيسر إصلاحها؛ ينبغي أن تهتم أساسا بإعادة التفكير في علاقة الجامعة بالمجتمع، فمن الأزمات الحقيقية التي تعاني منها الجامعة وتحد من قيامها بأدوارها التاريخية غياب مخرجات بحثية تعود بالنفع على محيطها ومجتمعها، وحتى إن وجدت هذه المخرجات فإنها تغيب المراكز والمؤسسات المتخصصة التي تحولها إلى مشاريع مجتمعية حية يتبناها الفاعل الرسمي أو يستفيد منها أثناء إعداد برامجه وسياساته العمومية. وهذا ليس بغريب في مجتمع لا تقوده المعرفة، على عكس المجتمعات المتقدمة التي تجعل الجامعة عمقها الإستراتيجي بتخصيص ميزانيات ضخمة لها والتعاقد مع مراكز قادرة على رصد الابحاث وتتبعها لتنزيلها على أرض الواقع واستفادة المجتمع منها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
ولكي نفهم حقيقة العلاقة بين الجامعة والمجتمع بالمغرب والدور الذي يجب أن تلعبه الجامعة في علاقتها بالمجتمع وجب استحضار الجانب التاريخي لهذه العلاقة والتحولات التي مرت منها حتى نتمكن من تلمس الوجهة السليمة التي ينبغي أن تسلكها الجامعة في علاقتها بالمجتمع.
فبالعودة إلى مرحلة ما قبل الاستقلال، كان الحديث عن التعليم العالي في المغرب يحيل مباشرة على جامعة القرويين بفاس وكلية ابن يوسف في مراكش، إلى أن تمَّ تأسيس أول جامعة مغربية سنة 1957 وهي جامعة محمد الخامس بالرباط. ولاحقا تم تدشين العديد من المؤسسات الجامعية في مواقع تتوزع على ربوع الوطن. وكانت العلاقة بين الجامعة والمجتمع في هذه الفترة تتميز بعدة خصائص نظرا لمجموعة من المعطيات المحددة للمشهد الاجتماعي والثقافي آنذاك.
وبعيد الاستقلال انخرط السياسيون والمثقفون في نقاش مهم من أجل رسم أو توضيح الدور الذي يمكن للجامعة أن تلعبه في مغرب الاستقلال وكيف يمكن لها أن تسهم في الاضطلاع بمهام استكمال مسيرة التحرير والتقدم على كل المستويات. ومع توالي تأسيس الجامعات المغربية، يلاحظ العديد من المراقبين والمهتمين أنه في الوقت الذي يجب أن تتقوى قنوات التواصل بين الجامعة والمجتمع وتتطور، ثمة هوة تزداد اتساعا بين الجامعة والمجتمع، الشيء الذي أفقد الجامعة قيامها بدورها الحقيقي في خدمة الوطن.
- طبيعة العلاقة بين الجامعة والمجتمع قبل الاستقلال:
لاحَظ الباحث الأمريكي (ديل إف. إيكلمان)، صاحب كتاب (المعرفة والسلطة في المغرب؛ صور مِن حياة مثقَّفٍ مِن البادية في القرن العشرين)، من خلال ملاحقته لتفاصيل حياة القاضي المنصوري منذ مرحلته الطلابية في ابن يوسف بمراكش؛ جملة من الأمور الجديرة بالالتقاط خاصة ما يتعلق بالتغيرات التي عرفتها دور التعليم الأصيل في المغرب، ومفهوم المعرفة المرتبطة به، والعلاقات التي تربط رواده بالمجتمع منذ السنوات الأولى للحماية.
ويسجل (إيكلمان) أن جامعة ابن يوسف شأنها شأن نظيرتها القرويين، كانت تشكل مؤسسة بالمعنى السوسيولوجي الأصلي للكلمة، تخص حقلا من النشاط يحمل أعضاؤه أفكارا وأعرافا مشتركة عن الكيفية التي يجب أنْ توزع بها المهام وكيفية القيام بها. وعلى الرغم من أن الطلبة _ وإلى حد ما البعض من الأساتذة _كانوا مجرد أعضاء عابرين فقط؛ فإن معظم الأشخاص المنخرطين في وسط المسجد – الجامعة ساهموا في منح الاستقرار لهذه المؤسسة، وتعزيز مساهماتها وعلاقاتها مع المجتمع بمعناه الواسع[3].
يتضح أن هناك علاقة وطيدة بين الجامعة والمحيط الذي توجد فيه، رغم أنَّ الجامعة كمؤسسة تعتبر مجتمعا مصغرا يجتمع أفراده على أفكار متفق عليها وحريصون على أداء مهام بعينها.
وما استغلال فضاء المسجد الذي يوجد في الجامعة يوضح بشكل جلي انعدام الفصل بين الجامعة ومجتمعها. سواء فيما يتعلق بأنشطة جامعة ابن يوسف أو جامع القرويين بفاس؛ حيث كانت دائما تركز على أن تشترك والجماعة في فضاءها والقيام بالعديد من الإجتماعات الأخرى فيه. كما أن الحلقات الدراسية التي تجمع بين العلماء وطلبتهم وغيرهم من الحضور، كانت تعقد في مسجد ابن يوسف، وأيضا في بعض المساجد الصغيرة والزوايا والأضرحة، أو على الأقل في ضريح واحد، ونعني به ضريح سيدي عبد العزيز التباع أحد الأولياء المشهورين بمراكش[4].
ومِن الأمور الأخرى التي تدل على وجود وشائج متينة بين الجامعة والمجتمع في مرحلة ما قبل الإستقلال، هي التزام الطلاب الذين يدرسون في القرويين أو ابن يوسف بتقليد سنوي راسخ هو الاحتفاء ب”سلطان الطَّلبة”. كما عبر السوسيولوجي “إكلمان” أنه لم تكن هناك أية مناسبة أخرى في المغرب غير هذا الاحتفال يُسمح فيها للقيام بهذه السخرية من البرتوكول المخزني، ولربما كان من بين الأسباب التي دفعت الفرنسيين إلى إلغاء احتفال سلطان الطلبة. حيث كانت مناسبة سنوية يعترف فيها السلطان وحاشيته علنا بالطلبة كمجموعة ذات هوية خاصة، ففي فصل الربيع من كل سنة، كان الطلبة يجمعون التبرعات مِن سكان المدينة ويبايعون واحدا منهم سلطانا للطلبة لمدة ثلاثة أسابيع تعرف بأيام “النزاهة”. وكانوا يستعيرون لهذا الغرض المظلة السلطانية _ رمز السلطة _ التي يحتفظ بها سلطان الطلبة طيلة هذه المدة، ويقوم بتشكيل حاشيته من أترابه في الدراسة الذين يعينهم في المناصب العليا للدولة على نحو يعكس صورة المخزن الحقيقية. وكان الأسبوع الأول للاحتفال يتضمن استعراضا رئيسيا يقام يوم الجمعة. وفي اليوم الموالي يقوم الوزراء الحقيقيون بزيارة نظرائهم الطلبة حاملين معهم الهدايا، ويوم الأحد الموالي يأتي دور السلطان الحقيقي الذي يحضر خطبة يلقيها سلطان الطلبة شبيهة بخطبة الجمعة[5]. هكذا كان الطلبة يجسدون نوعا من الإلتحام بقضايا المجتمع وإشكالاته الراهنة.
- طبيعة العلاقة بين الجامعة والمجتمع بعد الاستقلال:
في مرحلة ما بعد الاستقلال توسعت آمال كبيرة تملكت عقول الناس، مما جعلهم يقبلون بشكل كبير على المدراس، لعل أحدا من أبنائهم يوما ما يصبح وزيرا أو مسؤولا يسهم في بناء الوطن ونهضته، على اعتبار أن هذه المرحلة بداية بناء دولة مؤسسات بمقومات حديثة. واستمر الطلب والتدفق على المدارس رغم تواضع بنيات الاستقبال وضعف طاقتها الاستيعابية، وتلى هذا الأمر ازدياد عدد التلاميذ بالإعدادي والثانوي مما أفرز طلبا آخرا وهو ضرورة استكمال الدرا سات العليا بالجامعة، الشيء الذي كان يفرض على الدولة ضرورة بناء مؤسسات جامعية تواكب التطور الحاصل مع ضرورة توفير الأطر الكافية التي تهم كل المناحي الإجتماعية لا سيما وأن المغرب في تلك المرحلة كان يطمح لإقامة دولة مؤسسات حديثة.
لم ينحصر هذا الرهان على الدولة والجهات الرسمية لوحدها فقط، بل كان حاضرا بقوة لدى عديد المثقفين والسياسيين المغاربة. على سبيل المثال نذكر الأستاذ “المهدي بن بركة” الذي كان من السياسيين والمثقفين البارزين الذي أولوا المسألة التعليمية بصفة عامة والجامعة المغربية بصفة خاصة، أهمية استثنائية. وقد نشر سنة 1952 في مجلة (رسالة المغرب) مقالا بعنوان “حاجتنا إلى دراسات علمية اقتصادية وسياسية”، طرح فيه فكرة مازالت إلى اليوم بحاجة إلى من ينافح عنها نظرا وعملا. حيث دافع المهدي بن بركة في مقاله هذا عن دور الجامعة في تهيئ الأرضية للتنمية وتقديم الأطر المعرفية والنظرية لحل مشاكل المجتمع المغربي، على اعتبار أن دور الجامعة هو إنتاج المعرفة المواكبة لإشكالات الواقع. وليس الدراسات والأبحاث بشكل مجرد كإنتاج ثقافي أو بحث علمي، بل كوسيلة لا غنى عنها إذا أردنا أن نستنتج الخطة القويمة في سيرنا ونضمن النجاح في كل مرحلة من مراحل تقدمنا على أسس علمية تدعمها التجربة[6].
وكانت الدعوة الأخيرة لابن بركة في مقاله في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ المغرب المعاصر: فلنواصل السير ولنستعد للمراحل المقبلة لنمهد السبيل بالبحث والدرس والتحليل حتى نصل بخطى ثابتة إلى الغاية المنشودة. وهي إشارة لامعة إلى أن البحث العلمي الذي تضطلع به الجامعة هو الممهد والمنير للطريق نحو ديمقراطية مكتملة وتنمية حقيقية لفائدة المجتمع المغربي الذي مازال يَفْرك عينيه من آثار السبات العميق الذي غط فيه منذ قرون.
وفي صيف سنة 1957، أي بعد الاستقلال وقبيل تدشين أول جامعة مغربية في دجنبر من نفس السنة، ألقى المهدي بن بركة محاضرة تاريخية بقرية (تيوملين). أشار فيها إلى أنه حينما كان تلميذا خاض بمعية جيله أول معركة وهي المطالبة بالباكالوريا في كوليج (مولاي يوسف). وهي المعركة التي كانت تهدف إلى تمكين بلادنا من منافذ نحو التعليم الجامعي الذي كان وحده قادرا على إنقاذ البلاد. وهي إشارة دالة على أن المجتمع كان واعيا منذ إذ بكون الجامعة هي المنقذة للبلاد من الأوضاع المزرية التي تتخبط فيها.
كانت هذه المحاضرة والمناسبة التي احتضنتها مندرجة ضمن الملتقيات الدراسية التي تم عقدها للتفكير الجماعي في الجامعة الكفيلة بانتشال المجتمع المغربي بعد الاستقلال من الأمية والتبعية والاقتيات على مساعدات وإنتاجات الأجانب. وقد أكد فيها بن بركة على الفكرة التي ألمح إليها في مقاله المنشور سنة 1952، على أن دور الجامعة هو احتضان الباحثين وإيجاد الفضاء والوسائل والوسائط المعرفية التي ستمكن من تحرير المجتمع من أغلال الأمية والجهل والتبعية والتخلف والاستبلاد. فالبلاد التي لا تتوفر على الباحثين حسب بنبركة وليس لها علماء ستؤول إلى العبودية ولا تستحق إلا العبودية.
وأشار في ذات المحاضرة بوضوح تام إلى عدم وجود نية مبيتة لإقصاء التعليم الأصيل في التصور الموضوع للجامعة المغربية: “تتكون لجنة الدراسة الخاصة بكلية الحقوق من رجال قانون جاؤوا من الجامعة الفرنسية ومن القرويين ويخططون بناء على حاجيات يحددها وزير العدل الحاضر معنا هنا وكذلك الحاجيات الإدارية للبلاد التي حددها وزير الداخلية، وعلى أساس هذه الحاجيات سنضع برنامجا يوفر تكوينا قانونيا عصريا لا يتضمن أي قطيعة مع التعليم الذي تعطيه القرويين، أي تعليم الشريعة”[7].
وعلى غرار المهدي بن بركة كان العديد من مثقفي هذا الوطن يحملون نفس الهم والحلم وكانوا يراهنون على الجامعة لاستكمال استقلال البلاد من الاستعمار وتحرر المجتمع، على اعتبار أن الجامعة مشتلا للأطر الوطنية التي ستقود التنمية والتقدم بهذا البلد، ثم باعتبارها فضاءا للمعرفة والبحث والعلمي المرتبط بالواقع.
لكن مع كل هذا، ساهمت أجواء التسرع التي طبعت حركية الدولة في تأسيس الجامعات في إخراج نموذج تعتبره -هي- عصريا معتمدة في ذلك على نماذج معرفية جاهزة مستوردة ومفصولة عن سياقنا التاريخي والحضاري، وتم تنزيلها على التربة المغربية. فبناء الجامعة المغربية لم يأخذ وقته الكافي، حيث اقتصر المكلفون بنسخ تجارب بنيت في سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي خاص، لم يكتب لها النجاح.
- دور الجامعة:
تعتبر الجامعة بشكل عام فضاء لتخريج الأطر التي يحتاجها الوطن؛ أطر مواكبة للتحولات المجتمعية والواعية بانتمائها الوطني تاريخيا وثقافيا وحضاريا، حتى لا تنتج لنا هاته الأطر معرفة مفصولة عن بيئتها، كما أنها مشتلا لتنشيط حركة البحث العلمي. هذا هو الرهان والحلم الذي كان يراود الوطنيين المغاربة، لكن الذي وقع ربما كان عكس ذلك، فالدولة من خلال الجامعة اكتفت بتكوين أطر تقنية لمؤسساتها، وتقديم إجابات سريعة ولحظية -غير كافية- عن بعض الإشكالات المجتمعية كالبطالة وغيرها. حيث اعتمدت في ذلك عن عملية التلقين المبنية على الحفظ والتكرار، الأمر الذي جعل الجامعة متأخرة عن مواكبة التحديات المعرفية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يطرحها محيط الجامعة، متناسية أن الدور الأساسي للجامعة هو الابداع ونشر ثقافة السؤال والنقد والتفكير والبحث.
- تكوين أطر الدولة واعتماد المقاربة الأمنية:
تأسست أول جامعة في 21 دجنبر 1957 حيث لا زال المغرب يعيش فراغا مهولا من ناحية الأطر التي بإمكانها الحلول محل الأطر الاستعمارية في الإدارات ومختلف المجالات. وليس غريبا أن يكون أهم شيء من وراء تأسيس الجامعة بالمغرب، هو الاضطلاع بدور تخريج أطر تقنية إدارية تسير البلاد. على اعتبار أن المغرب في حاجة إلى تكوينات تشمل جميع الميادين، الأمر الذي لا توفره في نظر الدولة إلا جامعة مغربية عصرية تمكن من تيسير جميع الوسائل الضرورية لتكوين الأطر القادرة على الاضطلاع بمهام الإدارة والتسيير، لا إداريا فحسب، بل حتى صناعيا واقتصاديا وغير ذلك من المجالات.
لكن ما عاشه المشهد السياسي المغربي منذ ذاك الحين، انعكس بالسلب على ما كان يعد له للتأسيس لجامعة حقيقية؛ إذ ساد جو من التضييق على الحريات النقابية والتنكيل بالأحزاب والحركات المناضلة واعتقال بعض رموز الحركة الوطنية وإعدام الحياة النيابية في مهدها مع إعلان حالة الاستثناء[8]؛ مما أدى إلى تبلور ردود أفعال عنيفة تجاه الدوائر الرسمية خصوصا من التيارات التي اتخذت المرجعية الماركسية اللينينية غطاء فكريا وسياسيا لها.
كل هذا، جعل الأطر النظرية للسياسة التعليمية وبالأخص التي كانت توجه للجامعة المغربية تبقى رهينة هاجس الحد من تمدد الإيديولوجيا الثائرة في وجه الدولة. لهذا زاغ الساسة الحاكمون بسكة الجامعة عن أدوارها الطلائعية الأصيلة وصار همهم هو الحد من تغول الإيديولوجيا الثورية[9]، وتخفيض مستوى المضمون المعرفي للمناهج التعليمية حتى لا يقع الطلاب في إطار إيديولوجيا جذابة في سياق إقليمي وعالمي مثير ومحتقن عاش انقلابات وثورات أطاحت بالأنظمة الحاكمة، فما كان للدولة إلا أن تنخرط في نهج أمني بداية الستينات ضدا على هذا التيار الذي يتمدد شيئا فشيئا، يليه توجه تقنوي اقتصادي هاجسه حل مشكل البطالة منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي.
- التخوف من مشكلة البطالة وتوجه التقنوية والمهننة الجديد:
تعاملت مختلف الحكومات التي تعاقبت على المغرب منذ الإستقلال حتى بداية الثمانينات مع الجامعة كمشكل مؤسساتي واجتماعي. ومع بداية سياسة التقويم الهيكلي (1983) إلى الآن تعاملت معها كمشكل اقتصادي – إدماجي. وإذا كان الهاجس الأمني والإيديولوجي هو الذي وجه مختلف القرارات والإصلاحات التي مست الجامعة خلال سيادة المنظور الأول، فإن الهاجس الاقتصادي – التشغيلي هو الذي يوجه حاليا مختلف القرارات والإصلاحات المتخذة إزاء التعليم العالي. وأهم ما يميز هذا الأخير هو التعامل مع الجامعة في توجهها العام ومهامها ونظام تدبيرها الهيكلي وآفاق إصلاحها، مِن خلال علاقتها المباشرة بالنظام الاقتصادي الوطني ومجالاته الإنتاجية.
في ذات السياق ومع الأحداث الصعبة التي عاشها المغرب اقتصاديا واجتماعيا سياسيا تم اللجوء المباشر للاستجابة الفورية لتقارير البنك الدولي (1995) لتجاوز ما عبر عنه الراحل الحسن الثاني رحمه الله بالسكتة القلبية، وكان جزء منه التركيز على التعليم الأساسي عوض الثانوي والعالي، وهو أدى إلى تراجع الاهتمام بالجامعة كفضاء للبحث والإنتاج العلمي والمعرفي والتوجه أساسا نحو مسلسل “التَّقْنَنَة” و”المهننة” حيث تم تشجيع معاهد التكوين المهني بشكل كبير وصل الأمر إلى إمكانية الولوج إليها بشهادة التعليم الأساسي أو ما دونها.
في مطلع الألفية الثالثة، نحت السياسة التعليمية مسارا آخر يندرج ضمن نفس الرؤية المهووسة بالتشغيل والإستجابة لمتطلبات السوق. فصارت المعاهد العليا والمدارس ذات الاستقطاب المحدود هي أولى الأولويات (تارودانت، ورزازات، الناظور…)، نظرا لارتباطها التلقائي بأسئلة رجل السوق والإقتصاد (حاجياتنا بخصوص التقنيين والمهندسين والمسيرين…). لكن يمكن قراءة التركيز والالتفات إلى المعاهد على حساب الجامعة من زاوية أخرى، وهي سعي الدولة الحثيث لنزع فتيل النقد والسؤال داخل أوساط المواطنين. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الدول تلجأ إلى الترويج للمعاهد التقنية العليا التي تزيد الجامعة فقرا على فقر من الناحية المعرفية والفلسفية والقيمية، وتستعيض بها للمزيد مِن القَوْلَبَة-ان صح التعبير- والتنميط وصناعة الآلات التي تتقن صنعتها، وتفتقر إلى النظر البعيد وتغفل عن الأفق الرحيب.
تجدر الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن الاختيارات الحاكمة للسياسة التعليمية الخاصة بالجامعة لا تخضع للتبديل ولا ترتهن للخلفية الإيديولوجية لا للحزب الأغلبي وللحزب الذي يسير قطاع التعليم؛ فلا (مولاي إسماعيل العلوي) المنحدر من الحزب الشيوعي ولا (عبد الله ساعف) المعروف بانحيازه لليسار الديمقراطي ولا (لحسن الداودي) سليل العمل الإسلامي؛ لا أحد منهم أبان عن نية الانتفاضة في وجه هذا الخناق المضروب على التَّعليم العالي برمته مِن طرف أصحاب القرار التقنوقراطيين ورجال الاقتصاد كما هو الشأن في الفضاء العربي برمته، والذي تتجه فيه جامعاته إلى الاستجابة لإملاءات كل ما هو تقني واقتصادي ضيق عبر تقديم تكوينات مهنية وتقانية أمام كل ما له علاقة بالتفكير والسؤال والنقد.
ففي ظل هذا التوجه السائد حاليا، والمتسم بنوع من التفكير الأحادي الاقتصادوي – التشغيلي على توجهات إصلاح التعليم العالي؛ يتبين أن هناك تراجع في التكوينات المتعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمعناها الشامل. وهو الأمر الذي جعل انعدام الرؤية والارتباك يسودان داخل الجامعة[10]، بالشكل الذي جعل هاته الأخيرة تنتج لنا أناس غير مؤهلين للاضطلاع بمهام البحث العلمي بكل تجلياته.
يتضح من خلال البحث فيما يخطط للجامعة أن السياسة التعليمية بصفة عامة والشق الموجه منها للجامعة يصدر عن فلسفة تراكيمة ذرية تنطلق من الموضوعية المتلقية بتوجهها المعلوماتي كما عبر عن ذلك الدكتور عبد الوهاب المسيري، فالمناهج والرؤى والمخططات التعليمية ترى العقل كصفحة بيضاء، فالدروس الملقنة همها هو حشد أكبر كم ممكن من المعلومات للطالب حتى يؤدي وظيفة معينة، وهنا تضيع الحقيقة وتفقد الأجيال مقدرتها على التفسير والإبداع والنقد[11]. فالجامعة دورها هو مراجعة الرؤية وتخريج عناصر فاعلة بالمجتمع وليست معملا لتفريخ الجهلة والبيادق المراد التحكم بواسطتهم لإبقاء المجتمع في أنفاق العتمة والتخلف[12].
إن ما قامت به الدولة تجاه الجامعة فيما تحدثت عنه سابقا كمرحلتين متتاليتين من الزمن الجامعي بالمغرب يقف معه على نفس الخط من حيث تفقير المضمون المعرفي والفلسفي والقيمي كهدف، الأول من خلال محاربة حركات تحرير الجامعة التي ترنو إلى جعلها فضاء للنقاش والتفاكر والاقتصار على بناء أطر تقنية تسهم في بناء دولة ما بعد الإستقلال بالشكل الذي يفصل بين التكوين الأكاديمي العلمي والوعي السياسي المجتمعي[13]، والثاني من خلال محاولة إفراغ الجامعة من مضمونها العلمي والمعرفي عبر مهننتها وجعلها معبرا لمن يريد ولوج سوق الشغل. بالتالي، على الرغم مما يبدو ظاهريا من مفارقة أساسية بين أولويات الهاجس الأمني-الإيديولوجي والهاجس الاقتصادي-التشغيلي تجاه الجامعة، فإنَّ هناك توجها أساسيا يشكل قاسما مشتركا بينهما؛ ألا وهو الحد من أهمية المهام الثقافية-العلمية والمعرفية-الإشعاعية للجامعة المغربية لصالح المهام التكوينية والتخصصات التقنية-التطبيقية ذات الامتياز المهني والاجتماعي[14].
إن ما تم تبنيه كسياسات عمومية تجاه الجامعة في علاقتها بالمجتمع أثبت فشله، ولا أدل على ذلك من تنامي نسب بطالة ذوي الشواهد العليا، بالتالي كل الهواجس التي سكنت مخيلة صانع القرار كالتخلص من البطالة لم تلقى النجاح. أضف إلى هذا، أن عالم اليوم يتميز بدينامية لافتة في مستجدَّات المعرفة؛ فالتقنيات التي يلهث أصحاب القرار وراء تعليمها للطلاب _ على أهميتها _ قابلة للتبديل والتعديل. ما يعني أن فقدان الطالب لدراية مقبولة عن فلسفة العلم المؤطر للتقنية التي يتعلمها، يجعله في مهب الريح بخصوص التأقلم مع التقنيات الجديدة من حيث التعاطي الإيجابي معها.
كما أن ترك مجالات العلوم الإنسانية -مع تهميش الإطارات المعرفية والفلسفية للعلوم الأخرى سواء الدقيقة أو القانونية والاقتصادية- خارج دائرة البحث العلمي المتخصص، وأيضا خارج دائرة الاستدلال المنطقي والعلمي، فإننا بطريقة أو بأخرى نساهم في سيادة ثقافة متخلفة قد تنتج لنا سلوكات متطرفة، ونكرس مؤسساتيا وثقافيا سيادة نوعين منفصلين من المصادر المرجعية للمعرفة داخل المجتمع المغربي؛ المعرفة العلمية التقنية المتخصصة، والمعرفة الاجتماعية – الثقافية التداولية..
وإذا كانت المرجعية الأولى ستجد في مراكز ومجموعات البحث الجامعي – التقني والقطاع الخاص مصدرا هاما لها، وبكون العمل على تدعيمها وتشجيعها سيساهم في انتشار ثقافة تقنية – تطبيقية؛ فإن المرجعية الثانية وديناميكيتها التداولية ستجد في تمثــلات ومواقف وممارسات المؤسسات والجماعات الفكرية المذهبية ذات الحقائق المطلقة والمناهج التصديقية غير القابلة للتحليل والبرهان والنقد والدحض مرجعا أساسيا لها ولممارساتها”[15].
خاتمة: من أجل استعادة الدور الأصيل للجامعة:
تعد الجامعة في الأصل موطنا لتخريج الأطر التي بإمكانها خوض غمار البحث والمعرفة ارتباطا بالكتاب لا غير. ولا يمكن للجامعة أن تضطلع بهذا الدور الكبير إلا إذا تضمنت مناهجها محتويات غنية بالجانب الإبستيمولوجي والإطار المعرفي للعلوم المدروسة، دون إغفال أو تجاهل للسياق الذي تعيش فيه الجامعة بكل مناحيه القيمية والإجتماعية والثقافية والسياسية والإقتصادية، وليس التعامل بمنطق اختزالي تجزيئي.
فالجامعة فضاء يتيح مناخا يكتسب فيه الطلاب الناشئون طرائق التفكير ومعالجة النصوص وسبل التعلم وامتطاء صهوة البحث العلمي بمنهجية صارمة. “فالمفهوم الحديث للجامعة يذهب إلى كونها فضاء لتعلم التعلم، وتكوين أطر الدولة، والبحث العلمي والحرية الفكرية”[16]. لكن للأسف الجامعة المغربية على عكس كل هذا.
إن أزمة الجامعة من خلال ما سردناه سابقا هي أزمة انطلاق وأسس، لأن التأسيس في البداية جاء من غير تخطيط ومن غير مواكبة لواقع التطور الذي يعيش المجتمع المغربي، إضافة إلى اعتماد مناهج أجنبية ذات منطلقات بعيدة كل البعد عن سياقنا الثقافي والإجتماعي والقيمي، ولهذا تأسيس الجامعة كان ينبغي أن يراعي كل ذلك.
ونذكر هنا أنه بين تاريخ تأسيس أول جامعة وصدور أول قانون 00.01 ظلت الجامعة للأسف بين مناهج وبرامج لم يكن منطلقا وطنيا صرفا، إنما تمت رؤية التعليم العالي في المغرب من زاوية الآخر الغريب، وتمت التعامل مع الجامعة بمقاربات اختزالية وانفرادية بمعزل عن المجتمع وتحولاته، بل حتى طريقة تنزيل وصفات الإصلاح كانت تطبعها العشوائية والانفرادية وغياب تقييم ما سبق، وهو ما ساهم لنا في بناء جامعة معطوبة.
إن عملية استعادة دور الجامعة الأصيل في علاقتها بالمجتمع وإنقاذها من حالة التيه والتخبط يبدأ أولا بفكها من قبضة التقنوقراطيين والإقتصاديين الذين لا يرون في الجامعة سوى فضاء لإنعاش السوق الربحية ويخافون بدون مبرر من مخرجات البحث العلمي الحر الذي تبنيه الأصوات الوطنية الصادقة الملتزمة بقضايا مجتمعها حقيقة. إضافة إلى ضرورة جعل الجامعات هي المؤطر الحقيقي للقيم داخل المجتمع، ضدا على الثقافة السائدة حالا في الجامعة والتي يطبعها نوع من الإستيلاب، لأنها للأسف تعاني من غياب وحدة في التصور، مما يحد من دورها في إرشاد وتوجيه الفكر والممارسة، لأن الجامعة إذا كانت تعمل وفق منظومة قيم منعزلة عن منظومة المجتمع فلن تؤثر فيه أبدا. يحضرنا هنا نموذج جامعة القرويين التي كانت تمارس أدوار مؤثرة بشكل كبير على المجتمع، لكن للأسف مرت العقود دون إصلاح وتطوير لمواكبة تحولات المحيط الدائر بها، وأريد لها الإنعزال. فلو واكبت تحولات المجتمع لكانت هي قاطرة التنمية لديه، لأنه إذا انكلقت من ثقافة المجتمع الذي تأسست فيه وبنت مضامينها على قيمه وتفاعلها معه ستكون فاعلة فيه وبإيجاب.
أيضا فمستقبل الجامعة المغربية لا يمكن ان يكون إلا في ظل ما تنتمي إليه من فضاءات وطنية وإقليمية، مبني على تصور واضح ومستند إلى خطط أصيلة وفيه لتربتها لا طارئة على مجتمعها، تنطلق من مدركات الأمة[17] ومقدراتها وأهدافها. إضافة إلى ضرورة وجود إرادة سياسية واضحة وقوية، تربط البحث العلمي بالتنمية والتقدم، مع توفير الغطاء المالي الكافي ومواكبة ذلك بالمتابعة والتقييم. فبناء مجتمع المعرفة لا يتحمل الاكتفاء برفع شعارات الإصلاح حبيسة الورق والمشاريع، كما أن الوعي الجمعي لم يعد قادر على التحمل أكثر على تراجع إحدى الأمور الجوهرية التي تميز حضوره ومكانته الحضارية والتاريخية.
الهوامش
[1] حمدي محمد شحاتة: “أدوار الجامعات في مجتمع المعرفة”، دار الجديد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2020، ص 8.
[2] للمزيد أنظر: مجموعة مؤلفين: “الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، مارس 2017، ص 1-13.
[3] (ديل) إف. إيكلمان: “المعرفة والسُّلطة في المغرب؛ صور من حياة مثقف من البادية في القرن العشرين”، مركز طارق بن زياد للأبحاث والدِّراسات، الطبعة الأولى، 2000، ص:142
[4] نفسُه، ص: 143
[5] نفسه، ص: 146
[6] (بن بركة)، المهدي: مقال “حاجتنا إلى دراسات علمية وسياسية”، مجلة أَمَل، العدد 45، سنة 2015، ص:100
[7] نفسه، ص: 113 – 114
[8] للمزيد أنظر: محمد كنوف: “الحياة السياسية بعد انتهاء حكومة عبد الله إبراهيم إلى الإعلان عن حالة الاستثناء” رسالة نيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية العوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط، دجنبر 1991.
[9] للمزيد أنظر: محمد الأخصاصي: “الحركة التقدمية الوطنية المغربية، شهادات وقضايا ومواقف”، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، شتنير 2015، ص 93-96.
[10] عزالدين البوشيخي: آفاق تطوير البحث العلمي في الجامعات العربية في ضوء تجارب رائدة” ضمن مؤلف جماعي: “الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، مارس 2017، ص 83.
[11] سوزان حرفي: “حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج”، دار الفكر المعاصر، الطبعة الخامسة، 2015، ص 238-242.
[12] (المنجرة) المهدي: “انتفاضات في زَمن الذلّقراطية”، الطبعة الثالثة، ص: 182
[13] للمزيد أنظر: عامر مهدي دقو: “العلاقة بين التعليم الجامعي والديموقراطية في الوطن العربي”، ضمن مؤلف جماعي: “الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، مارس 2017، ص 353-388.
[14] (عمران) عبد الرحيم: “الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية”، منشورات الموجة، سنة 1999، ص: 123
[15] عمران عبد الرحيم: نفسه، ص: 114 – 115
[16] (بن الغازي) الطيب: “فكرة الجامعة”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، 1997، ص: 15
[17] للمزيد أنظر: “مدخل نظرية القيم، المدركات الجماعية”، سعيد خالد الحسن، مركز الدراسات والأبحاث مؤسسة خالد الحسن، الطبعة الأولى، 2015.






