• قناة معارف
  • المجلة الالكترونية
  • اتصل بنا
  • شروط النشر
الجمعة 16 يناير 2026
مركز معارف للدراسات والأبحاث
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج

العلاقات الدولية بمعايير الرؤية الإسلامية للعالم

إبراهيم البيومي غانم لـ إبراهيم البيومي غانم
13/05/2025
في : مقالات, مقالات مختارة
A A
0
العلاقات الدولية بمعايير الرؤية الإسلامية للعالم
200
مشاركات
1.5k
قراءات
المشاركة على فايسبوكالمشاركة على تويترالمشاركة عبر واتساب

بيانُ أصولِ الرؤية الإسلامية للعالم شرطٌ ضروري ولازم قبل أي خطوةٍ أخرى على طريق تأصيل علم العلاقات الدولية المعاصر بمعايير إسلاميةٍ/إنسانيةٍ.
ووضوح “رؤية العالم” بمعايير الشريعة الإسلامية ومقاصدها العالية غيرُ كافٍ؛ ما لم توضَع هذه الرؤية في صلب القوانين والتشريعات الدوليةِ التي تنظم علاقات الأمم والشعوب ودولها بعضها ببعض. وفي اللحظة التي يتشكَّل فيها الوعي الإنساني وفق أصول هذه الرؤية الإسلاميةِ؛ يتعينُ إعادة النظر في المنتظم الدولي القائم برمته: قوانينه، ومعاهداته، ومؤسساته، ومحاكمه، وشرطته الدولية؛ كي لا يكون مجرد أداةٍ في يد الدول الكبرى صاحبة القوة العسكرية الباطشة ضد الأمم والشعوب التي تفتقر إلى قوةِ ردع كافية لضمان مصالحها وصد العدوان عليها. وخير شاهد على ذلك تراه ماثلاً في غطرسة القوة الأمريكية ضد العالم عموماً، وضد عالمنا الإسلامي خصوصاً؛ حيث تضرب الإدارة الأمريكية عرض الحائط بكل المنظومات القانونية والمؤسسية والقضائية التي أجمعت عليها دول العالم ــ طوعاً أو كرهاً أو تبعية ــ منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل. وها أنت ترى وتسمع “ترامب” الذي ينظر إلى العالم باعتباره مجرَّد ساحة “مقاولات وصفقات” بقطع النظر عن أي اعتبار آخر من أي نوعٍ؛ بل وقاده غرور القوة إلى أن يستهتر بأي اعتبار آخر إنساني أو أخلاقي أو قانوني .
ليس الخللُ في “ترامب” وحده ولا فيمن على شاكلته؛ إذ هو مجرد ممثل للحظة “نماذجية” ــ بتعبير الدكتور المسيري رحمه الله ــ لحظة تتجلى فيها حقيقة “نموذج الحداثة الغربية” القائم على “غطرسة القوة” العارية من الأخلاقِ ومن الإنسانية، ومن العاطفة. نموذج لا يحترم إلا القوة الصلبة، وبها يرسم مختلف العلاقات ــ بما فيها العلاقات الدولية ــ ويكفي أن تنظر إلى تركيبة الأمم المتحدة، وكيف أنها قد ركزتْ قوة القرار في خمس دول لها عضوية دائمة في مجلس الأمن، ولكل منها حقُّ الاعتراض على أي قرار لا يروق لها؛ أي إِنَّ كل دولة منها تحكم بمفردها بقية العالم فعلياً ـ ما عدا الأربعة الآخرين ــ وما سوى ذلك كله مجرد زينة وديكور. أما الغاية الوحيدة لهذه العلاقات بمرجعيتها الحداثية فهي “المصلحة” بأبعادها المادية المجردةِ، ولا شيء قبل ذلك ولا بعده. وينالُ كل عضو في المنتظم الدولي نصيبه من “المصلحة” بقدر ما يملك من “القوة”؛ فالأقوى نصيبه أكبر، والأضعف نصيبه أقل. ولا شيء آخر يمت بصلة لحقوق الإنسان أو التعاون أو مساعدة الشعوب والدول الضعيفة من أجل التنمية؛ كل هذا هراء في هراء.
أعرف أن الاقتناع بهذا ليس أمراً سهلاً؛ وبخاصة من أغلب الذين تخصصوا في دراسة القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعات أمتِنا؛ لأنَّ ما تخصصوا فيه هو مجرَّد ترجمة وتقليد لبعض ما أنتجتْه عقول أساتذة جامعات فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من جامعات دول الاستعمار القديم والحديث، ولم ينتج في جامعاتنا سوى التبعية الأكاديمية والانكسار النفسي أمام القوى الاستعمارية.
كنتُ أجلسُ في مقاعد السنةِ الثانية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في سنة 1981م. والأستاذ أحمد عبد الونيس المعيد وقتها ــ وأستاذ القانون الدولي فيما بعد ــ رحمه الله ــ كان يحاضرنا في قواعد القانون الدولي وصلتها بالعلاقات الدولية. ولم أقتنعْ بكلامِه عندما قال القانون الطبيعي وقواعد العدالة والإنصاف هي أصل أصول “القانون الدولي”، وأن هذا الأصل هو الذي يحكم العلاقات الدولية. تجادلنا بشأن “القانون الطبيعي” طويلاً، وقلت: إنه لا يدخل في ذمتي بمليم أحمر لأنه ليس سوى حيلة لتقنين التوحش؛ بينما راح معيدنا يشرح ويكرر ما يقوله ويميز بوضوح بين “العلاقات الدولية”، و”القانون الدولي”، وينتصر للأخير باعتباره مرجعية الأول وضابط إيقاعه.
ولما طلبت منه إبداء رأيي سمح لي، لكن لم يعجبه ما قلته، وأعاد ما قاله ثم قال: هل اقتنعتْ؟ قلت: لا. وإذا به يقول لي بفصاحة وبلاغة ــ والبلاغة في الإيجاز ــ مشيراً بسبابته نحوي: ” إلى العراء”!، يعني أخرج من القاعة مطروداً. وفعلاً خرجت يومَها مطروداً. ولا يزال أصدقاء ذلك العهد يحفظون عبارته البليغة”إلى العراء”. خرجتُ إلى العراء، وانتظرتُه بعد أنْ أنْهى محاضرته لأكمل معه الحوار، كي أقنعه أو يقنعني. وأمضينا ساعات أخرى طوالاً ـ كنا أصدقاء كوننا من أبناء محافظة الغربية، وكثيراً ما أكلنا معاً الحمام المحشِي بالفريك، والفطير بالعسل، والرز المعمَّر الذي كنَّا نأتي به من القريةِ، وكل هذا لم يشفع شيئاً ـ وكررنا الحوار أياماً؛ لكن دون أن نصلَ لنقطة اتفاقٍ، وذهبت سدى كل محاولات التوفيق التي بذلها اثنان من المعيدين أصدقائه، وقد صارا كلاهما من أبرز أساتذة الكلية وهما: الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، والدكتور مصطفى منجود محمود. واكتفينا جميعاً بأن نظلَّ أصدقاء، وكان ذلك تواضعاً منهم مع طالب لا يزال في السنة الثانية بالكلية.
لماذا قصصتُ جانباً من هذه الواقعة في هذا السِّياق؟. قصصتُها لأقولَ: إن “علوم التبعية المستدامة” عندما تتمكَّن من عقولنا فإن التخلُّص منها يصبحُ شِبه مستحيل، وبدلاً من أن تفتح آفاق النظر والنَّقد ــ كما يزعمون ــ فإنها تغلقُها، وتشعر صاحبها بشيءٍ من التعالي وشيء من غطرسة القوة، لا بقوةِ الحجة والبرهان. وقس على هذا ما تراه من اختلال علاقات أغلبية الأساتذة مع طلاب “علوم التبعية المستدامة”، وعلاقات دول أمتنا مع دول (أساتذة!) غطرسة القوة الخشنة على المستوى الدولي. وبدلاً من أن تشعر أنك تعيش في “يوتوبيا” العلم، تجد نفسك تعاني من ” دستوبيا” الواقع. ولنرجع الآن إلى موضوعنا الذي أسوقه على مستوى التأصيل النظري المرجعي، وهو لا يقل أهمية عن مستوى الأحداث والوقائع.
نقطة البدء في تأصيل رؤية العالم ــ لبناء علاقات دولية سوية ـ هي عقيدة “لا إله إلا الله”؛ أي نعم. هذه هي نقطة البداية الصحيحة. لماذا وكيف تؤثِّرُ هذه العقيدة التوحيدية على رؤية العالم ؟.
جواب: لماذا؟ هو: أنَّ هذا الاعتقاد يعني التسليمَ ـ باديء ذي بدءٍ ـ بأن القوةَ لله جميعاً، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾(البقرة:165). تلك هي الكلمة السواء التي يتعين الاتفاق عليها، والبدء منها بين جميعِ الأمم والشعوبِ، بغض النظر عن اختلاف الدين أو العرق أو اللون، أو اللغة، أو أي نوع آخر من أنواع الاختلاف.
ممَّا يعنيه هذا الأصل ــ الفلسفي/العقيدي ــ أن يهمين مبدأ الوحدةِ والوئامِ، وليس الصراع أو العدوان، على “رؤية العالم” لدى جميع أممه وشعوبِه، ومن ثم يسعى الجميع لنبذِ التجزئة والعنف والصراع . مع عدم التواني عن ردعِ الاعتداءِ من طرف على آخر.
لا يعبرُ مبدأ الوحدةِ عن مجرد فكرة نظرية أو فلسفية مثالية، وإنما هو متجذرٌ اجتماعياً في وحدة الجنس البشري، وروحياً في وحدة الدين ورسالته من حيث مصدرُها وغايتُها معاً، انطلاقاً من عقيدة “التوحيد”.
وجواب : كيف؟ إليك بيانه مفصَّلاً:
1ـ وحدة الجنس البشري
قـرَّر الإسلام وحـدةَ الجنس والنسب للبشر جميعاً؛ فالناس لآدم، وآدم من تراب. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” [من حديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي في سننه]. بخلاف فلسفة الحداثة الغربية التي كثيراً ما صرا روادها أنَّ غير الأوربيين ـ تحديداً ــ ليسوا بشراً، أو في مرتبة أدنى منهم وأقرب للحيوانات، وسمعنا تصريحاتهم في بداية عدوانهم الإجرامي على غزة وهم يصرحون بذلك باقتناعٍ ودون حياءٍ؛ حتى إنَّ فرانسوا بورجا ـ احدٌ من علماء فرنسا لم يفقد آدميتَه ـ قال :” هل تعلم ما الذي مات أيضاً في غزة؟ أسطورة الإنسانية الغربية. لا أريد أن أسمع أي زعيم غربي يتحدث عن حقوق الإنسان بعد الآن”.
وحكمةُ التقسيم إلى شعوب وقبائل إنما هي التَّعارف لا التَّخالف، والتعاونُ لا التخاذل، والتفاضل بإتقان الأعمال الصالحة التي تعود بالخير على المجموع والأفراد. والله تعالى يطالب عباده جميعاً بتقرير هذه الوحدة ورعايتها، والشعور بحقوقها والسير في حدودها، وآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى اله عليه وسلم في تأكيد ذلك أكثر من أن تحصر.
وبهـذا التقرير ــ لوحدة الجنس البشري ــ غير المسبوق في تاريخ البشرية ـ نفي الإسلامُ أية شرعية لكل دعاوى التعصب للأجناس، وأدان التحيز للألوان، أو الأعراق، وغير ذلك من النعرات التي تتسبب في الصراعات والحروب، وتدمِّر المصالح وتبدد الطاقات. وهذا أقصى مثالية تطمح إليها البشرية وتمنى تحقيقها.
2ـ وحدة الدين:
قرر الإسلام وحدةَ “الدين” في أصوله العامة، مثلما قرر تعددَ الرسالات. وأكَّد على أنَّ شريعة الله تبارك وتعالى للناس كافَّة، وهي تقوم على قواعد ثابتة من الإيمانِ والعمل الصالح والإخاء. وقرر، أيضاً، أن الأنبياء جميعاً مبلِّغون عن الله تبارك وتعالى، وأنَّ الكتب السماوية جميعاً من وحيه تعالى، وأنَّ المؤمنين جميعاً في أية أمة كانوا هم عبادُه الصادقون الفائزون في الدنيا والآخرة، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثمٌ يتنافى مع أصوله وقواعده، ويتناقض مع مقاصده. ولا تجد مثل هذه التقريرات ولا قريباً منها في أيِّ مصدرٍ آخر غير شرعة الإسلام؛ بل تجد ما يحرض على قتل الأبرياء وسفك الدماء وسرقة الأرزاق والأوطان.
وواجبُ البشرية في الرؤية الإسلامية: أن تتديَّنَ، وأن تتوحدَ بالدين، لا بالدولار ولا بالدينار!. وهذا الدين الموحِّد هو الدِّين القيِّم، وفطرةُ الله التي فطر الناس عليها. وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”(الشورى 13). ويقول الله تعالى مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وسلم :”فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنتُ بما أنزل الله من كتاب وأٌمرت لأعدل بينكم. الله ربنا وربكم. لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . لا حجة بيننا وبينكم. الله يجمع بيننا وإليه المصير”(الشورى:15) وفي قـول للنبـى صلى الله عليه وسلم تصوير دقيق لهـذا المعنـى حيث يقـول : “مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثلِ رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون لـه، ويقولون هـلا وُضعت هـذه اللبنة ! فأنا تلكم اللبنة وأنا خاتم النبيين”(رواه البخاري ومسلم).
تلك الرؤية عن “وحدة الدين” ، دعا إليها الإسلامُ في وقتٍ كانت القوى العالمية تخوضُ حروبَ غطرسة القوة والأحقاد الدينية ــ كما تخوضها أمريكا مع قوة الصهيونية وقوى الاستعمار اليوم ضد أمتِنا ومقدساتِنا ــ وكان العالم آنذاك ، كما اليوم ، يضطرمُ بسعير الخصومات المذهبية والدينيةِ إلى جانب الصراع بالقوة من أجل المصالح الماديةِ. وفي ذلك المعترك الروحي المتأزم بفعل الخصومات والجهالات طلع القرآن على الناس بدعوته الربانية؛ دعوة التآخي في الدين، والاجتماع على أصوله الحقَّةِ، والإيمان به كوحدة ربانية؛ إن اختلفت فيها الفروع بحسب الأزمان، فقد اتفقت فيها الأصول الخالدة الباقية لأنَّها من الفطرةِ التي تقوم عليها إنسانية البشر جميعاً، والتي أزهقتها حداثة الغرب كلها.
ولإزالةِ كلِّ شبهة يمكن أن تؤدي إلى جعل تعدد الرسالات السماوية مصدراً للصراع على المصلحة بالقوة، أو الحرب باسم الدين، ارتفع الإسلام بالدين عن أهواء البشر ونسبه إلى الله وحده دون شريكٍ له.
ومن ذلك يمكن لك أنْ تخرج بنتيجتين تطبيقيتين بشأن رؤية العالم وما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية. وهما:
أـ أن التعامل بين المسلمين وغيرهم من أهـل العقائد والأديان إنما يقوم على أساسِ المصلحة الاجتماعية والخير الإنساني والمصالح المشتركةِ.
ب ـ أن الحوار، أو “الجدال بالتي هي أحسن”، هو الوسيلة المثلى للتفاهم بشأن قضايا الإيمان والعقيدة، ومن باب أولى بشأن المصالحِ وتبادل المنافع المادية، وتسوية الخلافات التجارية…إلخ، وليس الحرب أو القهر أو الإكراه.
يتضح ـ إِذَن ــ أنَّ الأصول المعرفية للرؤية الإسلامية للعالم تنفي كـل مصادر الفرقة والحقد والخصومة والنـزاع بين الناس مهما تباينت مصالحُهم، ومهما اختلفت دياناتهم. ولم تقف هذه الأصول عند حدود التمهيد النظري، أو الخطاب العاطفي، بل فتحت باب التعاون العملي والتواصل الفعلي والعمل المشترك والتعايش السلمي، وفي الوقت نفسه جعل الجهاد لرد العدوان ذروة سنام الإسلام، وأرسى أصول العلاقات على مبادئ الرحمة والتعاون والأخوة الإنسانية. ولهذا تفصيل في مقال آخر إن شاء الله.
متى سرق الغرب منَّا أصول القانون الإنساني ؟ ( 2)

ـ استضاف صلاح الدين الأيُّوبي في خيمته أسراه من قادة الصليبيين: الملك جفري، وأخاه، والبرنس أرناط وسقاهم “الجلاَّب المثلج… جرياً على مكارم الأخلاق” ( النوادر السلطانية لبهاء الدين بن شداد)

أكملُ لكَ ما بدأتُه في المقال السابق من كشف بعض ما سرقه اللصُّ الغربي “الحداثِي” من تراثِنا الإنساني ونسبَه لنفسه، وقصر تطبيقه على شعوبِه.

في معاملة الإنسانية للأسْرَى:

كان أسرى الحروب قبل الإسلام يلاقون أسوأَ معاملة ، ولا يتمتَّعون بأي نوع من الحماية ، بل كانت الحروب والصراعات المسلحة مصدراً رئيسياً للاسترقاقِ ورواج أسواق النخاسة والعبيد ِ.

وبمجيء الإسلام عرفتْ البشرية أنَّ الأسرى يجبُ أن يعاملوا معاملة إنسانيةً تحفظ حياتهم وكرامتَهم ، وبدل أن تكون الحربُ مصدراً للاسترقاق؛ فتح الإسلامُ الباب من خلالها للتحرر والانعتاق، ونصت آيات القرآن الكريم على ذلك في آيات فك الرقبة، وقال تعالى ” ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً”، وفي قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾(محمد:4).

وقرر الفقهاء أنه لا يجوزُ أخذُ الأسرى إلا إذا كانت الحرب مشروعةً ، وفي حالات الدفِّاع عن النفسِ . وعلى هذا الهدي سار قادة المسلمين في معاملتهم لمن وقعَ في أيديهم من الأسرى من جيوش الأعداء . ومن ذلك على سبيل المثال:

ما فعله صلاح الدين الأيوبي محرر الأقصى وقاهر الصليبيين ؛ حيث روى كاتبُ سيرته ومعاصرُه بهاء الدين بن شداد في كتابه ” النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية”، من أنَّ الناصر صلاح الدين رحمه الله كان: [ يحسنُ معاملةَ الأسرَى ، ويخصُّ البارزين منهم بحسنِ المعيشة، وخلعِ الثياب عليهم. وعندما أحضر الناس قتلاهم بعد المعركة ، وكنتُ حاضراً ذلك المجلس(بهاء الدين بن شداد) ، أكرمَ رحمه الله المتقدمينَ منهم ، وأخلَعَ على مقدمي(قادة) عسكر الإفرنسيس فروةً خاصَّة ، وأمر لكل واحد من الباقين بفروةٍ خَرْجِيةٍ لأنَّ البردَ كان شديداً، وحين كانت المعركة تنتهي باستسلام الطرف الآخر ، كان ينفذُ شروط الاستسلام بدقةٍ ، بل ينفذها وفقاً لمصلحة المستسلمين أكثر مما تتطلبه الشروط أحياناً ( هل كان صلاح الدين من مقاومة غزة وهم يسلمون الأسرى، أم الصحيح أنهم هم الذين خرجوا من عباءته!!). وحين يدفع الأسرى فداءَهم يرسلُ من يحرسهم حتى يصلوا إلى مأمنهم. وبعد أنْ فتح الله عليه بالنصر والظَّفر ، جلس السلطان صلاح الدين الأيوبي في دهليز الخيمة ، (…) فرحاً مسروراً ، شاكراً لما أنعمَ الله عليه. ثم استحضرَ الملك جفري وأخاه والبرنس أرْناط ، وناول الملكَ جفري شربةً من جلَّاب بثلجٍ ، فشرِب منها ، وكان على أشد حال من العطش. وكان من جميل عادة المسلمين وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكلَ أو شرب من مال من سره صار آمناً. فقصدَ السلطانُ بذلك الجري على مكارم الأخلاق]. … “مكارم الأخلاق” مع أسرى الأعداء!!.

مثل هذه المعاني أدرجها واضعوا اتفاقيات جنيف في نصوص المادة/ 27 من الاتفاقية الثالثة الموقعة في 12 أغسطس سنة 1949م، ليزينُوها بها وليطبقوها فيما بينهم فقط!، وهي خاصة بمعاملة الأسرى ونصها الآتي:

[ تزود الدولةُ الحاجزةُ أسرى الحرب بكمياتٍ كافيةٍ من الملابس ، والملابسِ الداخلية ، والجوارب ، بحيث تكون ملائمة لجو الإقليم الذي يقيم فيه الأسرى. وإذا كانت كساوَى قوات العدو المسلحة التي تقع في يد الدولة الحاجزة مناسبةً لجو الإقليم ، يصير استعمالها لكساءِ أسرى الحرب. ]

وأشارت المادة/16 من الاتفاقية نفسها إلى أنَّ المعاملة الأفضل يجب أن تمنح بسبب الحالة الصحية للأسير ، أو وفقاً لعمرِه ، أو مؤهله ، أو مهنته. وتطبيقاً لذلك نصت المادة/44 من الاتفاقية ذاتها على أنه [يجب معاملة الضباط ومن في حكمهم من الأسرى بالاعتبارِ الواجب لرتبهم وسنهم ]. والعالم كله سمع ورأي كيف ضحى الآسرون بأرواحهم لحماية أسراهم من العدو الصهيوـ أمريكي في غزة.

في لمِّ شمل الأسر وحماية النساء والأطفال

اعتبر الإسلام أنَّ الأسرةَ هي اللبنة الأساسيةَ في المجتمع الإنساني/الإسلامي. ولما كانت الحروبُ تنطوي عادةً على احتمالات كبيرة لتصدع أركان الأسر، فقد حرص الإسلامُ على استمرار تماسك الأسرة وتوفير الحماية للنساء والأطفال والشيوخ والعاجزين بصفةٍ عامة.

ومن ذلك ما ذكره ابنُ أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، أنَّ من وصايا الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه لقادة جنوده في الحربِ قوله لهم: [ إذا هزمتُموهم ، فلا تقتُلوا مدْبراً ، ولا تجهزوا على جريحٍ ، ولا تكشفوا عورَة ، ولا تمثلوا بقتيلٍ ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً إلا بإذنٍ ، ولا تأخذوا من أموالِهم شيئاً ، ولا تعذبوا النساء بأذى وإن شتَمنكم وشتَمن أمراءَكم. واذكروا الله لعلكم ترحمون.] .
أرأيت!. وإن شتمنَكم وشتمن أمراءكم!!!

وهذا آدم ميتز في كتابه : الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري يقول: “عندما استولى الخليفة العباسي المعتصم بالله على أحد حصون أرمينيةَ عنوةً بعد معركة دموية أمر ألا يفرَّق بين أعضاء العائلاتِ التي وقعتْ في الأسر”.

ولم تتنبه الدول الأوربية ” المتحضرة !!!” إلى هذا الرقي في المعاملةِ إلا بعد سلسلة طويلة من الحروب والانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان وتمزيق شمل الأسر وقتل الأطفال والنساء والعجائز في الحروب.

وأخيراً وفي سنة 1949م، صاغوا المادةَ/82 من اتفاقية جنيف الرابعة مما جاء به الإسلام بشأن حماية المدنيين وقت الحرب على النحو الآتي:

[يقيم أفرادُ العائلة الواحدة ، وعلى الأخصِّ الوالدان والأطفال معاً طوال مدة الاعتقال في معتقلٍ واحد (…) ويجوز للمعتقلين أنْ يطلبوا أخذ أطفالهم غير المعتقلين ، والذين يتركون دونَ رعاية عائليةٍ ، ليعتقلوا معهم. ويقيم أفرادُ العائلة الواحدة المعتقلون ـ كلما أمكنَ ـ في نفس المبنى ، ويُخصص لهم مكان إقامة منفصلٌ عن باقي المعتقلين ، مع التسهيلات اللازمة للمعيشةِ في حياة عائلية.].

كما نصت المادة/ 74 من البروتوكول الأول الملحق سنة 1977م باتفاقيات جنيف الأربعة على جمع شملِ الأسر المشتتة نتيجة المنازعات المسلحة. ونظم هذا البروتوكول وسائل استخدام القوة العسكرية وقيود هذا الاستخدام على نحو لا يخرج عما ورد في وصايا علي بن أبي طالب. ومن مواد هذا البرتوكول:

ـ المادة 41 التي نصَّت على أنه :” لا يجوز أن يكونَ الشخص العاجز عن القتال محلاً للهجوم. والمعروفُ أن الأسرى والجرحى يعتبرون عاجزين عن القتال”.

ـ والمادة 76 التي نصَّت على أنه:” يجب أن تكونَ النساءُ موضع احترام خاصٍّ ، وأن يتمتَّعن بالحمايةِ ، ولاسيما ضد الاغتصابِ ، والإكراه على الدعارة”.

في تحريم المثلة بقتلى الحرب وتجريم الأعمال الثأرية:

حرَّم الإسلام المُثلة ( وهي التنكيل بجثث القتلى وإهانتها) ، وجرَّم الأعمال الثأرية أثناء الحربِ ، وبخاصة ضد الآمنين من السكان المدنيين .

روى السَّرَخسي في شرح كتاب “السير الكبير” لمحمد بن الحسن الشيباني ــ صاحب أبي حنيفة ــ أنَّ عتبة بن عامر الجهني حمل إلى الخليفة أبي بكر الصديق رأسَ أحد القتلى من المشركين ، فغضبَ أبو بكر لذلك وكتبَ إلى قواده آمراً لهم: [ لا يُحمل إلى رأسٌ ، وإلا بَغيْتم ـ أي جاوزتم الحد للتشفي ـ ولكن يكفيني الكتاب والخبر .] . أرأيت!!!.(أكرر العجب بـ “أرأيت”، كما يكررها إمام مسجدنا الدكتور حامد العفيفي حفظه الله)

ونقرأُ في كتاب “تاريخ الرسل والملوك” لابن جرير الطبري: أنَّه عندما اضطر الخليفةُ الأموي معاويةُ بن أبي سفيان ــ رضي الله عنه ــ أنْ يأخذَ من الروم رهائن كشرط من شروط معاهدة الصُّلح معهم، ضماناً لغدرهم ، غدروا به ، ولكنَّه لم يثأر من الرهائن التي بين يديه ، بل رد عليهم الرهائن قائلاً: [ إنَّ مقابلةَ الغدر بالوفاء خير من مقابلة الغدر بالغدر .] . أرأيت!!!.

وفي كتابِ “فتوح البلدان للبلاذري” نقرأُ أنَّه: عندما وفد قوم من أهل سمرقند على الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ، وشكوا إليه قتيبةَ بن مسلم الباهلي ؛ حيث دخلَ مدينتهم غدراً ، وأسكن فيها المسلمين ، وشتَّت أسرَهم ، فكتب عمر إلى واليه في الولاية المجاورة ، وأمرَه بأن يرفعَ شكواهم إلى القاضِي الشرعي، فإن ثبتت الواقعة يأمرُ بإخراج المسلمين من سمرقند. [وقام القاضي جُمَيْعُ بن خاطر بتحقيق الواقعة ، وأمر بإخراج المسلمين من المدينة.]… أرأيت!!!.

وبعد قرونٍ متطاولة أدرجوا تلك المبادئَ الإسلامية في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 التي نصَّت على حظر المعاملة الثأرية ضد ضحايا النزاعات المسلحة. وجاءت المادة/ 20 من البروتوكول الأول لعام 1977 المكمل لأحكام اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 تقول لك إنه :

[ يحظر الرَّدع ضد الأشخاص والأعيان ].

بينما حظرتْ المادة/ 49 من الاتفاقية الرابعة: [قيامَ دولة الاحتلال بترحيلِ السكان المدنيين سواء فردياً أم جماعياً من الأرض المحتلة ، كما حرَّمت على دولة الاحتلال أن تقومَ بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الأرض التي احتلتها .]… أرأيت ما فعله و يفعله العدوان الصهيوـ أمريكي في بلدان أمتنا !!.

إن ما ذكرناه ليس إلا أمثلة تثبتُ أن أصولَ معظم قواعد القانون الدولي الإنساني المعاصر إسلامية صرف، ولعل الجانب الأهم من ذلك هو أنَّ الخبرة الإسلامية لم تعرف ازدواجية المعايير في تطبيق تلك القواعد والمبادئ المتعلقة بحماية كرامة الإنسان وصيانة حقوقه ، مثلما فعلت ــ ولا تزال تفعل ــ القوى الغربية بأبناء شعوب أخرى غير شعوبها؛ ومع ذلك لا تستحي أن تدعي تلك القوى التحضر والانتماء للآدمية. وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

مصدر المقال: https://almuslimalmuaser.org/2001/06/01/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a6-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7/%d8%a3%d8%a8%d8%ad%d8%a7%d8%ab/

الوسوم : الرؤية الإسلامية للعالمالعالم الإسلاميالعلاقات الدوليةالمقاومة الفلسطينية
إبراهيم البيومي غانم

إبراهيم البيومي غانم

ذات صلةالمقالات

لغات التّدريس وتدريس اللغات بالمغرب

لغات التّدريس وتدريس اللغات بالمغرب

نقد مقولة “استنفاد التجربة”: في تقييم حزب العدالة والتنمية ومنطق الإنهاء السياسي

نقد مقولة “استنفاد التجربة”: في تقييم حزب العدالة والتنمية ومنطق الإنهاء السياسي

الإسلاميون المغاربة والمشاركة السياسية

الإسلاميون المغاربة والمشاركة السياسية

بحث مبدع وتجديد فكري لنهوض حضاري

التجديد الفكري والتفكير النقدي والتأثير عن طريق الدراسات في توجهات الرأي العام وصناع القرار.

تصنيفات :

  • أنشطة المركز
  • إصداراتنا
  • اخترنا لكم
  • ترجمات
  • تقدير موقف
  • حوارات
  • دراسات وأبحاث
  • شخصيات وأفكار
  • قناة معارف
  • مدونات معارف
  • مراجعات
  • مقالات
  • مقالات مختارة

مستجدات :

المعتقدات الدينية للأمازيغ قبل الإسلام

المعتقدات الدينية للأمازيغ قبل الإسلام

لـ عمر لشكر
0

“الأميركيون يتحدثون الآن عن السلام، ولكن من دون استخدام القوة” مقابلة مع أندريوس كوبيليوس

“الأميركيون يتحدثون الآن عن السلام، ولكن من دون استخدام القوة” مقابلة مع أندريوس كوبيليوس

لـ إدارة المركز
0

مركز معارف © 2025 | تطوير تطوير Webrandl

  • الرئيسية
  • مركز معارف
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات

مركز معارف © 2025 | تطوير تطوير Webrandl

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In