أبعد من أي قراءة محصورة في خريطة الجيوبوليتيك، وتدبير موازين القوى الإقليمية، تبقى المسيرة الخضراء، في التّاريخ المعاصر للمغرب حدثاً مهيكلاً للمشاعر والسّياسات وللخيال الجمعي وللحضور المتواصل في امتدادات التّاريخ.
الحدث في عمقه هو كذلك تأريخ جديد للوطنيّة المغربيّة، أسبغ عليها معان إضافيّة، باتت معها قضيّة الصّحراء جزءاً غير قابل للالتفاف في تعريف وإعادة تعريف الانتماء للهويّة الوطنيّة.
يملك الأستاذ عبد الله ساعف كامل الدقّة عندما يوصف المسيرة الخضراء كارتعاشة وطنيّة ثانية عاشها المغاربة، بعد حدث الاستقلال يحيل التّوصيف هنا إلى سجلّ المشاعر تعبيراً عن عودة تلك اللّحظات النّادرة التي تتفجّر داخلها حرارة الانتماء الوطني لدى شعب من الشّعوب.
استحضار هذا السجلّ يرتبط بطبيعته الوطنيّة كسياسة للانتماء والهويّة، وكحالة سياسيّة وعاطفيّة تتملّك الوعي التّاريخي للشّعوب في لحظات تحوّلاتها الكبيرة، والواقع أنّ حدث 1975 يعني كذلك ما عاشته البلاد من انفجار لمشاعر الوطنيّة ولحماس الوجدان المغربي لدى كلّ الشّعب وداخل كلّ فرد منه، بشكل تبلورت فيه إراديّاً القناعة الشّخصيّة بالإقدام على التّضحية كما كان قد لاحظ المُفكر عبد الله العروي.
وإذ كان الملك الرّاحل المغفور له الحسن الثّاني، طيب الله ثراه، قد قضى زهاء الشّهرين وهو يفكّر في تطوّرات قضيّة الصّحراء قبل الإعلان عن قراره المتمثّل في المسيرة، معلّلا متطلّباته وتداعياته، فإنّ هذا القرار بالنّسبة للمؤرخ مصطفى بوعزيز شكّل الصّيغة الأكثر مطابقة للإمكانيّات المغربيّة والتي كان الإجماع الوطني السّياسي وما فجّره من حماس شعبي نواتها الصّلبة، حيث تأجّجت من جديد المشاعر الوطنيّة وتوالت الإبداعات الشّعبيّة واغتنى المخيال الجماعي بتحرّكات حاشدة وأحلام محفّزة وأناشيد محمّسة، جعلت المغرب يبدو كخليّة نحل ضخمة مبرمجة لتحقيق هدف دقيق ومستعدّة للدّفاع عن النّفس باستماتة.
إنّ أهمّيّة حدث المسيرة كانبثاق قويّ لمشاعر وسياسة الانتماء الوطني، تكمن بالنّسبة للعروي في المسافة بين الدّعوة السّياسيّة والجواب الشّعبي، هذا الأخير الذي استطاع في غضون أيّام أن يحوّل سياسيّين مشكّكين وبورجوازيّين إيجابيّين وطلبة متشائمين إلى مشاركين مقتنعين في المسيرة (marcheurs convaincus)، وأن يجمع جنبا إلى جنب رجال فرّقتهم لسنوات الإيديولوجيا والمصالح، داخل جوّ من الحماسة المرتبطة بالماضي المشترك، بشكل يوحي بأنّهم لم يكونوا ينتظرون سوى مناسبة مماثلة لتحرير مشاعرهم العميقة التي ظلّت لمدّة طويلة مكبوتة.
ولذلك فإنّ العروي – المشارك في المسيرة – سيعتبرها بعد عشر سنوات من ذلك، قد تحوّلت إلى جزء من الوعي التّاريخي الجماعي للمغاربة، كحدث جسّد لحظة سحريّة انزاح فيها كلّ الماضي المشترك داخل الحاضر المعيش، بشكل جعل تاريخ 16 أكتوبر 1975 يجدّد الميثاق المؤسّس للدّولة منذ ثلاثة عشر قرناً، والذي جمع بين ملك شابّ لكنّه يملك رمزيّة الاستدامة في التّاريخ، وبين شعب استعاد شبابه في ضوء عراقة دستوره الرّاسخ.
إنّ الارتعاشة الثّانية للوطنيّة المغربيّة، ممثّلة في الامتدادات القويّة لحدث المسيرة في الأوساط السّياسيّة وداخل العمق الشّعبي، في الوعي التّاريخي للمغاربة وفي تمثّلاتهم للانتماء، لا تعني إعادة إنتاج نفس المضامين التي حملتها الوطنيّة المغربيّة النّاشئة في بداية الثّلاثينات من القرن الماضي، بقدر ما حملت نوعاً من إعادة التّعريف المبني هذه المرّة حول فكرة توحيد وتحصين “الوطن التّرابي” أكثر من فكرة مواجهة الأطماع والاحتلال ومناهضة الدّونيّة كما في السّابق، كما يلاحظ مرة أخرى مصطفى بوعزيز.
ولعلّ هذا الجانب من الوطنيّة المغربيّة كما أعادت تعريفها المسيرة الخضراء، والمتمثّل في اليقظة الحاسمة للمغاربة تجاه “وحدة التّراب”، قد طبع بشكل عميق عناصر الهويّة الوطنيّة وظلّ يغذّيها كلّما تجدّد الإحساس الجماعي بالمخاطر المهدّدة للوحدة التّرابيّة / الوطنيّة.
لذلك عندما يطرح العروي سؤال مستقبل الوطنيّة، فإنّه يجيب بأنّ المغرب قد يحتفظ بوطنيّته المتميّزة، لسبب بسيط هو معاكسة الجيران والإخوة له.
لقد شكّلت المسيرة الخضراء استئنافاً مشهديّاً للحظة الحماسة الوطنيّة التي رافقت حدث الاستقلال، تماماً مثلما شكّلت تداركـاً قويّاً لما طال الفكرة الوطنيّة من التباسات جرّاء تعقّد مرحلة ما بعد الاستقلال.
هذا الاستئناف والتّدارك – في نفس الآن – جعل شحنة الوطنيّة المغربيّة تعود بقوّة كبرى في أواسط السّبعينيّات، مستفيدة من استنادها إلى وجود دولة وطنيّة فتيّة، ومن تطوّر وسائل الاتّصال الحديثة.
يعتبر بعض الباحثين أنّ معالم الأمّة المغربيّة قد بدأت في التشكّل مع المسيرة الخضراء، مركزين على انخراط أقطاب “الحركة الوطنيّة” في معركة الوحدة التي مثّلتها قضيّة الصّحراء، والواقع أنّ الإقرار باستثنائيّة هذه اللّحظة التّاريخيّة في مسار الوطنيّة المغربيّة لا يمكن أن يلغي أثر ومفصليّة حدث الاستقلال وانبثاق الدّولة الوطنيّة في ديناميّة ولادة الأمّة المغربيّة وانطلاقا من أرضيّة الوجود التّاريخي العريق للمجتمع والدّولة واستثمارا للشّعور الوطني الذي طبع قرونا من التوثّب الدّفاعي، وبناء على تراكمات الحركة الوطنيّة التي بلورت فكرة الانتماء الوطني بوضوح غير مسبوق، واعتماداً بالأساس على الحضور القويّ لعامل الدّولة العصريّة في مغرب الاستقلال.
وإذا كان من الأهميّة بمكان التّأكيد على مواقف أقطاب “الحركة الوطنيّة” وامتداداتها من قضيّة الوحدة التّرابيّة، فإنّ هذه المواقف بقدر ما تعبّر عن التقاء إرادات سياسيّة مختلفة لبناء “مشترك جديد” قائم على “الإجماع الوطني” كتجسيد لوعي استراتيجي بضرورة بلورة وحماية منطقة فعل “مشترك” لكلّ المغاربة مهما تباينت تصوّراتهم ومواقفهم الاجتماعيّة والسّياسيّة، بقدر ما تؤشّر كذلك على “اندماج” غالبيّة القوى السّياسيّة المنبثقة من العائلة الوطنيّة ضمن مشروع الأمّة كما كانت تقوده الملكيّة منذ الاستقلال من خلال الدّولة الوطنيّة الحديثة.
وإذا كان هذا الاندماج الإرادي قد حسم نهائيّاً في قليل من التردّد الذي عرفه مسار البناء الوطني في السّنوات الأولى لما بعد نيل الاستقلال، بعد ما أصاب جبهة النّضال من المستعمر من ارتباك جرّاء السّياقات والأسئلة الجديدة لمرحلة ما بعد 1956، فإنّه في المقابل قد استند في تقديراته إلى إرث النّضال الوطني المشترك فضلاً عن القناعة الرّاسخة بوطنيّة الاختيارات الكبرى لدولة الاستقلال.
وإذا كانت استمراريّة جزء كبير من النّخب التي ساهمت في الحركة الوطنيّة، ضمن قيادات القوى السّياسيّة الفاعلة في السّاحة خلال أواسط السّبعينيّات قد عزّزت ديناميّة البحث عن المشترك الوطني، فإنّ روح الوطنية المغربية ظلت لحدود اليوم-بعد خمسة عقود على المسيرة- مسكونة بأثر هذا الحدث الكبير، ولعل ما حدث هو في الواقع إعادة تعريف حقيقية لهذه الوطنية التي أدمجت في عناصرها التكوينية مُعطى الدفاع عن الوحدة الترابية، على النحو الذي بانت تؤكده الدراسات الميدانية حول تمثل المغاربة لهويتهم الجماعية، كما هو الشأن في البحث الوطني للمعهد للدراسات الاستراتيجية حول الرابط الاجتماعي، حيث يميل المغاربة إلى تعريف الانتماء المغربي بناءاً على حب الوطن والتعلق بالوحدة الترابية للمملكة قبل استحضار بقية معالم الهوية الوطنية.
في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء للعام 2021، قال جلالة الملك محمد السادس
نصره الله، إن “قضية الصحراء هي جوهر الوحدة الوطنية للمملكة”. المؤكد أن الخطاب الملكي هنا في هذه الكثافة التعبيرية، لم يكن قد اختار مجرد تنويع لغوي للانتقال من الوحدة الترابية إلى الوحدة الوطنية، بل كان يعي عمق الارتباط الصميم بين قضية الصحراء ومضمون الهوية الوطنية.
(*) مقال منشور في جريدة “الصحراء المغربية”، عدد يومه الخميس 6 نونبر 2025، الموافق لذكرى المسيرة الخضراء.






