تحلّ ذكرى المولد النبوي لتذكّر الأمة برسالتها الحضارية ووظيفتها الخيرية، وتعيد وصلها بجذور النور الذي حرّر الإنسان من عبودية الظلم إلى رحابة الحرية. إن مولد النبي صلى الله عليه وسلم لحظة تأسيس لمشروع عالمي، يقوم على نصرة المستضعفين، وإقامة العدل، وربط الأرض بالسماء. وفي قلب هذا المشروع كانت القدس حاضرة منذ اللحظة الأولى؛ فهي قبلة المسلمين الأولى، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم وإمامته بالأنبياء، علامة على مركزية الأقصى في الرسالة، وعهدٌ مفتوح للأمة أن تحفظ وصية نبيها تجاه فلسطين. فالمولد النبوي يصبح تذكيرًا بأن الوفاء الحقيقي لرسول الله هو تجديد العهد مع القدس، نصرةً ووفاءً وقيامًا بالأمانة.
****
**القدس في العهد النبوي ووظيفة الأمة**
***
منذ البدايات الأولى ربط النبي صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس ببيت المقدس، حين أعلن أنه من المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، وأكد أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره، فصار الأقصى رمزًا للصلاة والرباط الروحي، ودلالة على الإحياء والعناية، وهذا يشير إلى أن الأمة لا ترتبط بالقدس بالعبادة وحدها، بل أيضًا بالعطاء والعمارة والنصرة، في زمن السلم كما في زمن الحرب.
وهذا المعنى يتجدد اليوم مع طوفان الأقصى؛ فقد أصبح الطوفان شعلة تكشف الظلمات المعاصرة وتفضح منظومة الإبادة والاستعمار. إنه الامتحان الذي يختبر الأمة: هل تحافظ على صلتها بالقدس أم تنقطع عنها لتغرق في الغثائية والانقسام والتفاهة؟
وإذا كان الطوفان اليوم يذكّر الأمة بواجبها تجاه القدس، فقد بلغت هذه الصلة أوجها في مسرى الرسول الأكرم وإمامته بالأنبياء ليلة الإسراء والمعراج بالمسجد الأقصى، ذلك أن مشهد احتضان القدس للصلاة الجامعة للرسالات تعظيمٌ لشأن المدينة وتشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالخاتمية، وتسليمٌ للقيادة لأمة الخيرية من فضاء الأقصى إلى رحاب العالمين. وهذا يبرز أن الخيرية ليست امتيازًا، بل وظيفة عملية مرتبطة بالشهادة على الناس، قوامها الدفاع عن الحق ونصرة المستضعفين وإقامة العدل بين الأمم. واليوم يكشف الطوفان أن هذه الأمانة ما تزال معلّقة في عنق الأمة؛ تذكّرها بأن الدفاع عن القدس وفلسطين جزء من الوفاء للعهد النبوي.
**من الغثائية إلى الميلاد الحضاري الجديد**
**
حمل المسلمون على عاتقهم أمانة الأقصى ومسؤولية الدفاع عن الأرض التي باركها الله عز وجل وجعلها أرض المحشر والمنشر والرباط. وهذا المعنى العميق يكشف أن القدس لم تكن مجرد مكان جغرافي، وإنما مركزًا لإحياء الوجدان الإسلامي وتجديد صلة الأمة برسالتها الدينية والحضارية.
لقد تعاقبت عصور من العناية الحضارية بالقدس، وحافظ المسلمون عبر العصور على هذا المعنى؛ من فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى تحرير صلاح الدين الأيوبي، إلى عناية الأمويين والمماليك والعثمانيين. ولم يكن حضور المغاربة في القدس استثناءً، إذ كانت لهم أوقاف خاصة بهم سميت بـ”حارة المغاربة” بجوار الأقصى، تعبيرًا عن شدة تعلقهم به وحرصهم على خدمته. وهكذا ترك المسلمون عبر تاريخهم الممتد بصمات عمرانية وروحية وعلمية وحضارية تشهد على مركزية القدس في وجدان الأمة، حتى صار الأقصى ميزانًا لحضور الأمة في التاريخ، ومرآة لمدى حيويتها الإيمانية وأناقتها الحضارية ودرجة حضورها في التاريخ.
غير أن عصورًا لاحقة شهدت انحسار هذه المعاني؛ فتراجعت الأمة إلى حال الغثائية كما في الحديث النبوي، كم بلا أثر، وعاطفة بلا مشروع، وحب للدنيا وانغماس في النموذج المادي والنسق الاستهلاكي على حساب مشروع الخيرية الحضارية في ظلّ تغريب الوعي وهيمنة ثقافة الاستلاب. وبذلك انكمشت أبعاد القيادة والخيرية والعالمية إلى مجرد مشاعر حب وشوق، دون أن تتحول إلى مشاريع نهضوية أو خطط تحررية لإنقاذ الأقصى وأهله وتحريره من الشر المطلق.
أصبح حضور القدس في وجدان المسلمين باهتا، حضورا عاطفيا أكثر منه مشروعًا للنهوض والتحرر؛ مما فاقم العجز عن صناعة حضارة أو تغيير مسار التاريخ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا تبرز الحاجة إلى ولادة جديدة شاملة تستعيد فيها الأمة المبادرة والكرامة والسيادة. وإذا كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم نورًا حرّر الإنسان من عبودية الجهل والظلم، فإن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى ميلاد حضاري جديد. فكما حمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رسالة تحرير الإنسان من طغيان القوة، يحمل المقاوم الفلسطيني اليوم رسالة تحرير الأمة وتحرر الإنسانية من طغيان الصهيونية وتجبرها وزيف سردياتها.
ومن ثَمّ، تتحول نصرة فلسطين من مجرد تضامن عاطفي، إلى واجب ديني وحضاري يختبر صدق الأمة في حمل أمانة الأقصى، ويحدد ما إذا كانت ستنهض بوظيفتها الخيرية أو تظل حبيسة الغثائية والتبعية والاستهلاك.
ولعل “الطوفان” يمثل “حدثًا كاشفًا” يفضح زيف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي وجرائم الإبادة ويعرّي المنظومة الدينية والفكرية الثاوية وراء المشروع الصهيوني، وهو في الوقت نفسه نداء للأمة كي تعود إلى مركز التاريخ، وتنهض برسالتها الحضارية. ومن قبلة الأقصى الأولى إلى طوفانه المعاصر، يتجدد العهد: إنّه مخاضٌ عسير يحمل آلام التغيير وأشواق الحرية.






