موضوع هذا المقال هو الموازنة بين صيامنا وصيام من قبلنا من الأم، وسأحاول إن شاء الله أن أجيب من خلاله عن بعض الأسئلة المرتبطة بصيامنا وصيام من قبلنا من نحو: من هم المقصودون بمن قبلنا الذين أشار إليهم الله تعالى في قوله:” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم …”؟
كيف كان صيامهم، وما قدره ووصفه ونوعه؟ ولماذا فرض عليهم قبلنا؟ ما هو وجه الشبه والاختلاف بين صيامنا وصيامهم؟
ومبرر الكلام في هذا الموضوع هو اقتناعي الشخصي بأهمية البحث المقارن في تحديد الأفضليات والكشف عن المميزات. ويدخل هذا المقال في إطار ما قمت به من دراسات وأبحاث في تاريخ الشرائع والمعتقدات والأديان، وفلسفة الممارسات الدينية والتعبدية عند مختلف الشعوب والأمم.
وسأمهد لهذا المقال بمدخل في ماهية صيامنا وفرضيته، ويليه الكلام المركز عن صيام من قبلنا بتحديده ووصفه وبيان نوعه وأحكامه، وأختم بالمقارنة لتحديد ما يتميز به صيامنا عن صيام من قبلنا، وبالله التوفيق.
1 مدخل في ماهية صيامنا وفرضيته.
يطلق الصوم أو الصيام في اللغة على دلالات متعددة ترجع كلها إلى أصل الإمساك.
قال أبو عبيدة:» كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم و.”يقال: صام الفرس صوما إذا قام على غير اعتلاف.
قال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما .
وصامت الريح بمعنى ركدت وسكنت وأمسكت عن الحركة. وصام النهار إذا اعتدل. وصامت الشمس إذا قامت ولم تبرح مكانها …
وبهذا نرى أن الدلالة الأصلية للفظة الصيام هي مطلق الترك بغض النظر عن الشيء المتروك. ودلالتها الشرعية لا تبعد عن دلالتها اللغوية، فهي إمساك وترك، إمساك عن الطعام والشراب والجماع مع نية التعبد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقد جاءت فرضية الصيام في الإسلام مع طائفة من أحكامه في أربع آيات من سورة البقرة، وهي:
الآية 182 عند قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون..”
والآيتان التاليتان لها. والآية 186 عند قوله تعالى:” أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم …”.
وكل هذه الآيات نزلت في المدينة في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة التي صادفت السنة الخامسة والخمسين من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم …
لقد ثبت أن الصيام لم يفرض على المسلمين إلا في السنة الثانية بعد الهجرة، أما قبل ذلك فلم يكن مفروضا عليهم إلا صيام عاشوراء لما ذكرته السيدة عائشة في حديثها الذي أخرجه البخاري في صحيحه ونصه:
” كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان قال : من شاء صامه ومن شاء تركه.”
وورد عن قتادة وعطاء أن المفروض على المسلمين كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض عليهم صوم رمضان.
ورد الطبري كل هذا بقوله: لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوما فرض على أهل الإسلام من غير شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان.” أنظر جامع البيان، ج٢ ص 112 .
قال ابن حجر:
” فالجمهور أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان.” (فتح الباري، ج4 ص 103 .)
وتستفاد فرضية الصيام من جملتين في هذه الآيات:
– إحداهما قوله تعالى :” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام “.
قال الألوسي:” أصل الكتابة الخط ثم كني به عن الإلزام.” روح المعاني، (ج 2 ص 48 .)
ومن المعروف أن لفظة ” كتب ” بضم الكاف وكسر التاء تفيد الوجوب والإلزام في عرف الشرع، وهما من المعاني اللغوية للكلمة.
قال الجعدي:
يا ابنة العم كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا.
ويقصد الجعدي بكتاب الله فرضه وحكمه، وكلمة ” عليكم ” في الآية مشعرة بالوجوب.
وزادت الآية تأكيدا لفرضية الصيام بنداء المخاطبين، لأن النداء في العربية إذا سبق طلبا كان ذلك دالا على اهتمام المتكلم بهذا الطلب وحرص
– والجملة الأخرى التي يستفاد منها فرض الصيام هي :
قوله تعالى:” فمن شهد منكم الشهر فليصمه “.
فجاء التعبير عن الفرضية بصيغة المضارع المسبوق بلام الأمر، وهذه الصيغة أقوى في الطلب من الأمر نفسه.
وكما ثبتت فرضية الصيام بهذه الآيات الأربع من سورة البقرة، ثبتت أيضا على سبيل التأكيد بجملة من الأحاديث النبوية، وبفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وبإجماع الأمة.
فمن أنكر فرضية الصيام من المسلمين يحكم بردته ويعامل بمقتضى هذه الصفة.
وقد وصف كثير من الرحالة والمؤرخين كابن المامون وابن بطوطة وابن جبير والجبرتي الأجواء الروحية والاحتفالية التي كانت المجتمعات الإسلامية تستقبل بها شهر رمضان بدءا بطقوس الرؤية التي كانت تتم بجلال عظيم واحتفاء كبير تشارك فيها كل مكونات الأمة من علماء وقضاة ووزراء وصناع وتجار وعموم الناس.
وعند تحقق رؤية الهلال تتفجر التهليلات والتبريكات والأدعية وغيرها من مظاهر الشكر والفرح بحلول هذا الشهر الجليل.
ومع الأسف، زالت هذه المظاهر من عموم الأمة، فلا تكاد تجد من يشتغل بالرؤية تعبدا، فالكل يعتمد على الأخبار الإذاعية والتلفزية وما تنشره وسائل الاتصال الحديثة.
ذهب الابتهاج وحلت محله البرودة المصحوبة أحيانا بالتأفف والتضجر والامتعاض وغير ذلك مما تعكسه مظاهر الشكاوى من أحوال الوقت وقساوة الواقع …
2 / من هم المقصودون بقوله تعالى:” … كما كتب على الذين من قبلكم ” ؟
الكاف في ” كما ” بمعنى مثل، وهي صفة لحال محذوف والتقدير:
كتب عليكم الصيام مفروضا مثل ما فرض على الذين من قبلكم.
وفي هذا التشبيه تشبيه الفريضة بالفريضة بصرف النظر عن القدر والصفة والوقت …
والغرض من هذا التشبيه هو تأكيد الحكم والترغيب فيه وتطييب النفوس به، لأن المشقة إذا عمت هانت وتيسر حملها.
وكأن الله تعالى يقول، لستم أيها المسلمون الأمة الوحيدة التي فرض عليها الصيام إذا رأيتم فيه نوعا من المشقة، ونوعا من الحرمان، فقد فرض أيضا على أمم قبلكم فصامته على الوجه المطلوب منها، فجاهدوا في الصيام أفضل من الذين سبقوكم من الأمم.
وقد فسر ابن عباس رضي الله عنه ” الذين من قبلكم ” بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيكون التأويل:
كتب عليكم الصيام في القرآن كما كتب على اليهود في التوراة وعلى النصارى في الإنجيل.
وورد عن الحسن والسدي والشعبي أن المقصود بمن قبلنا هم النصارى فقط لدنوهم وقربهم من دعوة الإسلام .
هؤلاء إذن هم ” من قبلنا: اليهود والنصارى، حسب تفسير الأكثرية.
لكني، تعميقا في المقارنة، وتوسيعا لمجال الموازنة، سأوسع دائرة ” الذين من قبلكم ” لتدخل فيه أديان وملل أخرى ممتدة في تاريخ البشرية.
وقد أفاد تاريخ المعتقدات والأديان أن الصيام من أقدم العبادات التي عرفتها جميع الديانات والثقافات والتجارب الصوفية والتأملية ، وإن كان الصيام لم يفرض بنصوص مقدسة إلا في الأديان السماوية .
جاء في ملل الطوطميين والوثنيين والمانوية والبراهمة والزردشتيين والبوذيين …
ولعل من أسباب فرض الصيام في جميع الملل أنه تطهير روحي، وترقية بالنفس، وتربية على الصبر والتحمل، وتنقية البدن وتزكيته …
ووجود الصيام المفروض عند الأمم السابقة بأشكال وصيغ مختلفة قد يكون من بقايا ديانات كان الله قد أنزلها ثم حرفت ونسخت بديانات لاحقة.
صيامنا … وصيام من قبلنا.
3 أشكال الصيام عند الأمم السابقة .
أ / الصوم المطلق عن الكلام .
ومقتضى هذا النوع من الصوم أن يمتنع الصائم امتناعا كليا عن إحداث أي كلام اختياري لغاية التعبير والتحدث .
وكان هذا النوع مقررا في الديانة اليهودية بدليل قوله تعالى حاكيا ما قاله عيسى عليه السلام لأمه وهو في المهد:
” فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا.”
إلى أن قال :”فأشارت إليه “.وفي الإشارة تعويض عن الكلام المحرم بالصوم .
وهذا النوع معروف حتى في الديانة المسيحية، فالكاثوليك وخصوصا فرقة ” الترابست ” تفرضه على أتباعها مدى الحياة .فكانوا يعتزلون في خلوات يقيمون فيها صائمين إلى الموت ، وله مظاهر في ديانات أخرى وخاصة عند الهنود .بل عرفه العرب أنفسهم في جاهليتهم وكانوا يطلقون عليه مصطلح ” الضرس ” بفتح الضاد وسكون السين .
جاء في لسان العرب: الضرس صوم يوم إلى الليل وأصله من العض كأن الصائم عض على لسانه فصمت. ” (ج٦ / ١١٨ .)
وأشار الفيروزبادي إلى نفس المعنى في قاموسه . (ج٢ / ٢٣٣ ).
ومن أشد العشائر العربية محافظة عليه ” الحمس ” بضم الحاء وسكون الميم، من قريش وكنانة.
ولقد وردت إشارات إلى هذا النوع من الصوم في ديانات الشعوب البدائية خصوصا في أستراليا …
صيامنا … وصيام من قبلنا النهاية في المقارنات.
رأينا أن الصيام من العبادات القديمة التي عرفتها كل الديانات الإنسانية الوضعية منها والسماوية، وأشرنا إلى أن ذلك لا يعدو أن يكون من بقايا ديانات منزلة طمست وحرفت ونسخت بأديان لاحقة حتى جاء الإسلام فختمت به الرسائل السماوية، وانتهى به النسخ والفسخ والتحريف.
وإن أهم ما تلتقي فيه كل أنواع الصيام هو الفرضية سواء تقررت بأمر سماوي أو بوضع بشري، وكلها تهدف إلى التطهير والتنقية وضبط النفس والمجاهدة والصعود بالفرد إلى مستوى التحكم في ميولات النفس واهواء القلوب …
وزيادة على هذا، يراد بالصوم في بعض الديانات جلب الخصب أو تجنب الكوارث كما هو الشأن عند بعض شعوب أستراليا .
وفي الثقافتين المكسيكية والبيروفية أنواع من الصيام الندمي ” Pénitenciel ” يهدف إلى تهدئة الآلهة ، على أن أقرب أنواع الصيام القديم شبها بصيامنا هو صيام الطائفتين الكلدانيتين سواء من حيث الامتناع عن الأكل والشرب أو من حيث عدد الأيام التي يجب صومها .
لكن، ولو وجدت بعض صور التشابه بين صوم الأمم السابقة وصيامنا، فإن كثيرا من الفروق تميز صيامنا عن صومهم، منها :
– صيام المسلمين مفروض لله وحده. قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:” كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به … ” حديث قدسي.
وصيام من قبلنا فيه ما هو مفروض تكريما للقمر أو للشمس أو لظواهر الكون أو للآلهة بصيغة الجمع … ولا يستوي ما فرض لله وحده وما فرض لمخلوقاته.
– صيام المسلمين وسيلة للتقوى التي ربطها الله به في قوله ” لعلكم تتقون ” .
وعلاقة الصيام بالتقوى تكمن في أنه يروح النفس على الصبر ويمرن النفس على التحكم في الشهوات طاعة لله تعالى وحده.
فهو جنة ووجاء، فكلما تحكم الإنسان في نفسه صفت روحانيته وزادت تقواه، لأن معظم الخطايا والمعاصي لا يأتي إلا عن طريق النفس وشهواتها .
فلا يراد بصيام المسلمين تعذيب الذات واحتقار النفس كما هو معروف عند بعض اليهود الذين يلتزمون الوقوف في الشمس حال الصيام، أو عند بعض البرهميين الذين يجعلون الأرض وطاء لهم من غير فرش أثناء الصيام.
وذكر البيروني عن بعض الطوائف البرهمية أن الصائم يلوث جسمه بروث البقر، ويفطر كذلك بروثه وبوله !
– ليس في صيام المسلمين كف مطلق عن الحركة ولا عن الكلام على النحو الذي سبقت الإشارة إليه في بعض الديانات ، بل على العكس يدفع إلى الحركة والعمل والاجتهاد وإكثار الذكر وتلاوة القرآن ، ومعظم الانتصارات الإسلامية وقعت في رمضان.
– لقد ارتبط صيام المسلمين بالقمر ولم يرتبط بالشمس كما هو الأمر في الديانات الأخرى ، لغاية التنقل في مختلف فصول العام .
وبهذا الارتباط يكون المسلم الذي بلغ على الأقل خمسة وخمسين عاما قد صام كل أيام السنة وكل الفصول. صام اليوم القصير واليوم الطويل واليوم المتوسط، وصام في الحر وصام في القر…، ولو ارتبط صيامنا بالشمس لثبت في شهر واحد لا يتغير إما في الصيف أو في الشتاء أو في الربيع.
تقبل الله صيامكم .






