تمهيد:
في هذا المقال سنقوم بحول الله بالعمل على استجلاء بعض مظاهر الانبعاث الحضاري عند المسلمين، ثم سنعمل على دراسة تطور المجال العلمي ضمن الحضارة الإسلامية باعتباره مثالا لدراسة الانبعاث الحضاري عند المسلمين، ومن بين أهم مظاهر التطور العلمي الذي أنجزه المسلمين للبشرية تأسيس ووضع قواعد المنهج العلمي التجريبي، حيث سنفصل في مراحل تأسيسه وتطوره عند علماء المسلمين المشتغلين بالعلوم التجريبية والأسس الفكرية والدينية لهذا المنهج العلمي، وكيف شكل الإسلام مجالا خصبا لتطور هذا المنهج وغيره من المناهج العلمية.
- أولا: مظاهر الانبعاث الحضاري عند المسلمين
الحضارة الإسلامية هي مجموع الإنجازات والإبداعات التي أوجدها وقدّمها المسلمون للإنسانية في مختلف مجالات الحياة، وتحديداً في التاريخ، والأدب، والفن، والعلم، والسياسة، وغيرها، وهي تمثل تاريخ الأمة الإسلاميّة عبر العصور، وتمثل أيضاً المراحل المتقدّمة التي وصل إليها المسلمون وتميّزوا بها عن غيرهم من أهل الحضارات، وبذلك فهي لم تُبنَ عبثاً، وإنّما قامت بناءً على أسس معيّنة تتمثل في: الإيمان، والمبادئ الإنسانيّة، والأخلاق السامية، والأسس الروحية، والشورى.
فلا مجال للمقارنة بين حال العرب قبل وبعد البعثة النبوية “في جل مجالات الحياة بدءا من الشؤون الدينية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والسياسية وليس انتهاء بالمجال العلمي وهو ما سنركز عليه هنا، فلم تكن العرب قبل البعثة تعرف تقريبا انتشار أي نوع من العلوم سواء الإنسانية أو الطبيعية، وكانت الخرافة هي السائدة في تفسير الظواهر الكونية، ثم بعد بعثة النبي ﷺ بدأ التخلص تدريجيا من النظرة الخرافية لتفسير الظواهر الكونية نحو نظرة أكثر عقلانية وعلمية”[1].
ولما اتسع نِطاق العِلم، ظهرت الحاجة إلى الاستفادة من العلوم التي تَوصَّل إليها المسلمون، فقسَّم العلماء العلومَ إلى نقلية تتصل بالقرآن الكريم، وتشمل: علومَ التفسير والقراءات، وعلم الحديث والفقه، وعلم الكلام، وعلوم اللغة: كالنحو والصرف والشعر والبيان، والنوع الثاني من العلوم يُسمَّى العلوم العقليَّة، ويشمل الفلسفة والطب، وعلم النجوم والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والموسيقى والرياضيات.
ومن مظاهر ذلك “ظهور علم الكلام وهو أول دائرة معرفية ترسمَتْ حول الوحي إنه نبتة أصيلة نشأ قبل عصر الترجمة – قبل التأثر بالفلسفة اليونانية – كأول محاولة لتجاوز النص الديني وإعمال العقل البشري في تفهمه وإثبات مضامينه. فكان بحقٍّ أوْسَعَ وأَهَمَّ المجالات لما أسماه محمد عابد الجابري “العقلانية العربية الإسلامية”.[2] ثم مع مرور السنين تطورت العلوم وانتقل المسلمون من الترجمة والتقليد إلى التأليف والتأسيس والاكتشاف خصوصا “مع ظهور المراكز العلمية الكبرى كبغداد في عهد هارون الرشيد، وقد حذا المأمون حذو أبيه الرشيد في العمل على رواج الحركة العلميَّة، وأشرف على أضخم يقظةٍ فكريَّة في تاريخ الإسلام ووجَّهها خير توجيه، وكانت هذه اليقظة الفكرية كما يقول من أهم اليقظات في التاريخ كله، حتى إن بغداد تحوَّلت في عصر المأمون إلى مركز العلم والثقافة في العالم كله في وقت لم يكن في استطاعة زعماء أوربا مجرد كتابة أسمائهم، فحبُّه العميق للعلوم والفنون حوّل بغداد إلى مركز للثقافة والعلم يفوق ما عداه في عالم يومه، فقام برعاية الشعر وعلوم الدين والفلسفة والفلك، وكان يُشجِّع رجال العلم على مواصلة البحث ويستورِد رجال العلم بغض النظر عن أديانهم وجنسيَّاتهم”[3]، هؤلاء جميعًا كانوا موضع رعاية وتكريم المأمون، وكان للمناخ المناسب الذي هيَّأه لهم هذا الخليفة سببًا في إبراز معارفهم وقدراتهم الخلاقة، وعلى ذلك ظهرت ثقافات متنوِّعة في الدولة الإسلامية.
وهذا الازدهار الثقافي الذي شمل كافَّةَ فروع العلم والمعرفة، “أبرز علماء موسوعيين برعوا في علوم متعدِّدة، وصنَّفوا مصنفاتٍ قيِّمة في العلوم الدينية والعربية والطبيعية، وبذلوا في سبيل ذلك جهودًا مضنية، مثل الإخوة محمد وأحمد والحسن أبناء موسى بن شاكر كانت لهم هممٌ عالية في تحصيل الكتب القديمة، وكتب الأوائل، وأنفذوا إلى البلاد مَن اشتراها لهم، وأحضروا المترجمين من الأصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة، وترجموا لهم الكتب اليونانية؛ لذلك برع هؤلاء الإخوة، وبلغ من مقدرتهم العلمية أن قاموا بقياس محيط الكرة الأرضية مستنِدين إلى المراجع والكتب التي أفادوا من دراستها”.[4]
- ثانيا: المنهج العلمي التجريبي عند المسلمين
1- تعريف المنهج العلمي التجريبي
أ- أنواع المناهج
تشتق كلمة منهج من نهج أي سلك طريقا معينا، وبالتالي فإن كلمة المنهج تعني الطريق و السبيل، ولذلك كثيرا ما يقال أن طرق البحث مرادف لمناهج البحث. و يحدد المنهج حسب طبيعة الموضوع البحث أو الدراسة و أهدافا التي تم تحديدها سابقا، و يمكن القول أنها تخضع إلى ظروف خارجية أكثر منها إرادية ويعرف المنهج بأنه “فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون”[5]، وتختلف تقسيمات المناهج بين المصنفين فإذا نظرنا إلى مناهج البحث من حيث نوع العمليات العقلية التي توجهها أو تسير على أساسها نجد أن هناك ثلاثة أنواع:
· “المنهج الاستدلالي أو الاستنباطي: وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج، وبين الأشياء وعللها على أساس المنطق والتأمل الذهني، فهو يبدأ بالكليات ليصل منها إلى الجزئيات.
· المنهج الاستقرائي: وهو يمثل عكس سابقه، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى قوانين عامة، وهو يعتمد على التحقق بالملاحظة المنظمة الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة.
· المنهج الاستردادي: يعتمد هذا المنهج على عملية استرداد ما كان في الماضي ليتحقق من مجرى الأحداث، ولتحليل القوى والمشكلات التي صاغت الحاضر”[6].
وفي حال تصنيف مناهج البحث استنادا إلى أسلوب الإجراء، وأهم الوسائل التي يستخدمها الباحث، نجد أن هناك “المنهج التجريبي وهو الذي يعتمد على إجراء التجارب تحت شروط معينة، ومنهج المسح الذي يعتمد على جمع البيانات” ميدانيا” بوسائل متعددة وهو يتضمن الدراسة الكشفية والوصفية والتحليلية، ومنهج دراسة الحالة، الذي ينصب على دراسة وحدة معينة، فردا كان أو وحدة اجتماعية، ويرتبط باختبارات ومقاييس خاصة، أما في المنهج التاريخي، فهو يعتمد على الوثائق والآثار والمخلفات الحضارية المختلفة”.[7]
ب- المنهج التجريبي، تعريفه وخطواته ومميزاته
– تعريفه: المنهج التجريبي كما يعرفه رحيم العزاوي في كتابه مقدمة في منهج البحث العلمي بأنه “محاولة لضبط كل العوامل الأساسية المؤثرة في المتغير أو المتغيرات التابعة له في التجربة ما عدا عاملا واحدا يتحكم فيه الباحث ويغيره على نحو معين بقصد تحديد وقياس تأثير عامل على متغير”.[8]
وتعرفه موسوعة ZME Science العلمية: بأنه “مجموعةٌ من المبادئ المبنيّةِ على أساس الملاحظة والمنطق، والتي تهدف إلى التّأكيد على أنّ فهمنا للعالم دقيقٌ قدر الإمكان. ويقدِّرُ العلماء النّتائج القابلة للتحقق والقابلة للتكرار أكثر من أيّ شيءٍ آخر على أنّها أساس المعرفة”.[9]
– خطواته:
- “الملاحظة: أساس العلوم وتشكل الخطوةَ الأولى من المنهج العلمي التجريبي، ومن الممكن أن تكون شيئًا سهلًا وواضحًا مثل: تتابع الليل والنهار، أو شيئًا غير واضح مثل وجود عدد لا نهائي من الكسور العشرية في (π)
- السؤال والبحث: الملاحظة عادةً ما تقودنا إلى طرح أسئلة، وفي محاولتنا للإجابة نرى أنّ هذا يتطلّب أولًا البحث عن معطيات متوفرة، قد تكون هذه الأخيرة موجودةً في ملاحظاتنا السّابقة، أو في أبحاث علماء آخرين.
- الافتراض: اقتراح إجابات بناء على الملاحظات، ومن المهمّ أن يبقى هذا الافتراض قابلًا للنقض، إذ يمكنك تجربة الافتراض لترى كيف يتحدّى الواقع.
- التنبُّؤ وفقًا للافتراض: يمكنك البدء مع تنبُّؤ يبدو مدهشًا، لكنّه في الواقع بسيطٌ جدًّا، ، التنبُّؤ يعني أساسًا رسم استنتاج منطقي حول كيفيّة تصرّف العالم في حال كانت فرضيتك خاطئةً أو صحيحةً.
- الاختبار أوالتجربة: كي يكون العمل سليمًا وخاليًا من العيوب قدر الإمكان، يجب تصميم التجارب بطريقة تحوي على متغير تابع (ثابت)، ومتغير مستقل (قابل للتغيير) حتى يمكن المقارنة وعزل النتائج.[10]
- ملاحظة النتيجة وإصلاح الفرضية.
- إعادة التّجربة من 4 إلى 6 مرات حتى تتطابقَ الفرضيّات مع النّتائج: إنّ نتيجةً إيجابيّةً واحدة لا تثبتُ صحة فرضية ما، ونتيجة سلبية واحدة لا تجعل منها خاطئةً”. [11]
في الحلقة المقبلة بحول الله سنفصل في علاقة المسلمين بالمنهج العلمي التجريبي
2- تأسيس المنهج العلمي التجريبي
أ- شبهات بخصوص تأسيس المسلمين للمنهج التجريبي
إن التراث العلمي للمسلمين يشمل جزءًا كبيرًا من التاريخ العلمي والحضاري للبشرية “ويمثل دور هذه الأمة الرائد في مسيرة الحضارة الإنسانية، بشهادة المنصفين من المؤرخين، لكن بعض المنظرين يغفلون هذا الدور الإسلامي الرائد في الوقت الذي يحاولون فيه أن يؤرخوا لنظرية العلم بإيجاد أساس لها عند أفلاطون وأرسطو في الحضارة الإغريقية، أو عند بيكون وديكارت وغيرهم من رواد النهضة العلمية الحديثة”.[12]
إننا نفاجأ عند مراجعة كتب الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم أننا قد لا نجد في أغلبها أي ذكر لعلماء الحضارة الإسلامية الذين أسسوا وأرسوا المنهج العلمي التجريبي نظريا وعمليا، “فنجد على سبيل المثال في موسوعة universalis الفرنسية تتحدث عن أن واضع أسس المنهج التجريبي هو بيكون (1560-1626) ومن ثم إسحاق نيوتن (1642-1727) ضاربة عرض الحائط كل من سبقهما لهذا المجال”[13].
ولم يستطع أكثر المؤرخين المعاصرين إنصافًا للحضارة العربية الإسلامية مثل سارتون أن يخفى نزعته العرقية عندما تحدث عما أسماه “بالمعجزة اليونانية” وتفوقها على الحضارات المجاورة لها، قائلاً: .. “وحديثنا عن الماضي محدود من عدة وجوه: وأحد هذه الوجوه الضرورية أنه يجب علينا أن نقصر أنفسنا علي أسلافنا فحسب .. والواقع أن ثقافتنا النابعة من الأصل الإغريقي والعبري هي الثقافة التى تعنينا كثيرًا، إن لم تكن هي كل ما يعنينا”[14] .
وفي كتاب “العلم في التاريخ” لم يستطع المؤلف “جون ديزموند برنال” أن يخفى تحيزه الواضح إلى جانب الإغريق والفرس والرومان، في الوقت الذي يكيل فيه اتهامات متنوعة للإسلام والمسلمين دون أن يشرحها أو يدلل عليها. فالإسلام -فيما يزعم برنال- أقام ثقافة متلاحمة ظلت باقية إلى يومنا هذا بالرغم من أنها ليست ثقافة تقدمية، واللغة العربية هي التى حجبت الدور الكبير للعنصر الفارسي في العلوم الإسلامية الشرقية، والمسلمون يتحملون مسئولية كبيرة عن إقامة حواجز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية إلى يومنا هذا، بدعوى أنهم لم يترجموا إنسانيات الإغريق مثلما ترجموا معارفهم العلمية والفلسفية، فانتقلت الإنسانيات والعلوم إلى الثقافة الحديثة عن طريقين مختلفين، وينكر برنال مآثر علماء المسلمين ويقصرها فقط على مجرد حفظهم لميراث القدماء، قائلاً “رضي معظم علماء المسلمين بالنمط الكلاسيكي الأخير للعلوم، ووثقوا هذا النمط، ولم يكن لديهم طموح كبير ليحسنوه، ولم يكن لديهم أي طموح لأن يطوروه تطويرًا ثوريًّا”.[15]
أما أولئك الذين حاولوا اختراق الثقافة الإسلامية من خلال دراستهم لتراثها العلمي، فقد تطرقوا لأمور من صميم العقيدة الإسلامية ذاتها وروَّجوا لأفكار خاطئة عن الإسلام والمسلمين. ومن أمثلتهم “إميلي سيفيج سميث” الذي أورد في دراسة حديثة حول “الاتجاهات الجارية في دراسة العلوم والطب عند المسلمين في العصر الوسيط” كلامًا غير منصف ومتحيز عن الطب النبوي والرسائل المؤلفة من قبل علماء الدين، وليس من قبل الأطباء، على أساس اعتقادهم بأن المعرفة يمكن الحصول عليها فقط عن طريق الوحي والنبي محمد و الصحابة المقربين وآرائهم.[16]
إن مثل هذه المواقف المتحيزة بدرجات متفاوتة للعلم الغربي، بل لكل ما هو غربي، على حساب الإنجازات الحضارية للأمم الأخرى بصورة عامة، ومثل هذه الدعاوي والافتراءات الموجهة ضد الإسلام، والمشككة في قدرات العقلية العربية الإسلامية وأصالة الفكر العلمي الإسلامي، والمشوّهة لحقائق التاريخ والعلم على حد سواء، هو الذي يدعونا دائمًا إلى البحث في كنوز التراث لتأصيل ثقافتنا الإسلامية وإعادة صياغتها بما يلائم إيقاعات العصر، وتوقعات المستقبل، وذلك في إطار الإلمام الواعي بكل الخصائص الحضارية التى تخصنا وتميزنا عن الآخرين.
ب- المنهج العلمي التجريبي عند المسلمين
- الرواد المسلمون: المؤسسون الحقيقيون للعلم التجريبي
يقول “Briffault” مؤلف كتاب بناة الإنسانية: “إن روجر بيكون درَس اللغةَ العربية والعلمَ العربي في مدرسة أكسفورد على يد خلفاء معلمي العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميِّه الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبِي، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلامي التجريبِي إلى أوروبا المسيحية”[17].
وسنستعرض هنا أهم إسهامات العلماء المسلمين المؤسسين الحقيقيين للمنهج العلمي التجريبي وسنقتصر على ذكر أعلامهم ممن اشتهروا بالمنهج التجريبي دون أن نحيط بجميع من ساهموا في تأسيسه ووضع أركانه:
جابر بن حيان: رائد المنهج العلمي التجريبي في الكيمياء
يقول جابر بن حيَّان، رائد الكيمياء الحديثة (721 – 815م) في كتابه عن نتائج تجاربه العملية: “يجبُ أن تعلم أننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه، أو ما قيل لنا وقرأناه بعد أن امتحناه وجرَّبناه، فما صحَّ أوردناه، وما بطل رفضناه “[18] .
تذكر المصادر أنه أبو عبد الله جابر ابن حيان. وتاريخ ميلاده غير معروف على وجه اليقين، ولكنه عاش خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي والجزء الأول من القرن التاسع على ما ينتهي إليه “هولميارد” [19] ويعتبر جابر بن حيان عبقرية عربية وإسلامية أصلية، بفضل كثرة مؤلفاته العلمية في مختلف المعارف الإنسانية بالإضافة إلى ريادته وإسهامه الجذري في تكوين منهج البحث العلمي بالمعنى الحديث، فقد ساهم هو وعبقريات أخرى كالرازي وابن الهيثم والبيروني في تكوين ذلك المنهج العلمي ووضع مبادئه وتأسيس أصوله.
- مكانته العلمية: عبر الغربيون عن مكانته العلمية بعد دراستهم المستفيضة لأعماله ومؤلفاته، فقال عنه “برتراند راسل” الذي ترجم بعض أعماله إلى الانجليزية أنه: “أشهر علماء العرب وفلاسفتهم” ويشير إليه الرازي في كتبه الكيميائية بقوله: قال أستاذنا أبو موسى جابر ابن حيان.[20]
- منهج البحث عند جابر بن حيان
- التجربة: توصل جابر بن حيان في القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي إلى مبادئ منهج البحث العلمي الحديث، فإن من يتصفح مؤلفاته العلمية يجد هذا المنهج منثورا ومبثوثا في كل كتاباته، ويمكن لعين الباحث الفاحصة أن تتبين شتات هذا المنهج منثورة هنا وهناك، حيث تجد منهجا تجريبيا يصطنعه في بحوثه الكيميائية جدير بالفحص والتحليل فهو يلزم نفسه بأسلوب من البحث النظري والسلوك العملي، يضم تحته كلا المنهجين الاستدلالي والاستقرائي، والذي هو في النهاية الأسلوب العلمي بالمعنى الحديث. وعن أهمية التجربة يقول: “من كان دربا كان عالما حقا، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما. وحسبك بالدُرية فى جميع الصنائع أن الصانع الدرب يخذق وغير الدرب يعطل” [21]
- منهج البحث العلمي: وقد توصل جابر إلى مفهوم شبه متكامل لمنهج البحث العلمي من حيث انه أدرك وظيفة كل من الاستنباط أو الاستدلال أو الاستقراء، وزواج بين كل منهما بعد أن أدراك حقيقة وظيفة كل منهما على حدة، ثم استخدم كل منهج في موضعه، فهو في كتابه “البحث” يميز بين الجانب الاستقرائي والجانب الاستنباطي في المعرفة، الأول ما تدركه الحواس والثاني يكتسب بالعقل والبديهة.
كان لجابر بن حيان منهج اعتمد على الاستنباط والاستقراء معا، اعتمادا واعيا صريحا، فاقرأ- مثلا – هذه الجملة ليصف بها منهجه ذاك: ” … قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح، وامتحنته فما كذب “. فها هنا قد أجمل جابر كل ما نريده نحن من الباحث العلمي في كلمات قلائل رتبت أدق ما يكون الترتيب، فعمل باليد، ثانيا حتى تنتهي منه إلى نظرية مفروضة، ثم امتحان تطبيقي، ثالثا، للغرض العقلي الذي فرضناه. وهو يفيض في شرح هذا المنهج إفاضة كافية في مواضع كثيرة من كتبه.[22]
أبو بكر الرازي وابن سينا: التجربة في خدمة الطب
كان الأطباء قبل الرازي يعتبرون أن الأسس التي ببُني عليها الطب الإغريقي غير قابلة للنقد والتعديل. وعلى الرغم من أن “ابقراط” مهندس الطب الاغريقي كان يؤمن بأهمية الخبرة العملية في الطب، ولكنها كانت تأتي في المرتبة الثانية، وأن الكليات والأساسيات التي بنيت عمليها غير قابلة للنقد[23]، ولكن في عهد الرازي انقلبت المعادلة إذ أصبحت الخبرة والتجربة هي المحك بقبول أو رفض فعالية العلاج، مما يقتضي الأمر تأويل الكليات لتطابق المشاهدة.
ومما يوضح ميل الرازي إلى الجانب العلمي أنه أجرى العديد من التجارب في الكيمياء والغذاء والدواء على الحيوان والإنسان على السواء، وضمن ذلك في كتابيه الحاوي والمنصوري اللذين حفلا بملاحظاته في التشريح والملاحظات السريرية على مرضاه[24].
أما الشيخ الرئيس ابن سينا فقد في ناقش كتابه الشفاء فلسفة العلوم، ووصف منهجًا علميًا قديمًا للبحث في كتاب البرهان لأرسطو، وخالفه في الكثير من النقاط. “وقد ناقش ابن سينا مسألة وضع إجراءات خاصة للبحث العلمي، ومسألة “كيف للفرد أن يكتسب المبادئ الأساسية للعلم؟”، وتساءل كيف يمكن للعالم أن يجد “البديهيات الأولية أو الفرضيات من استنباط العلم دون استقرائها من بعض مصادرها الأساسية؟”. وأوضح ابن سينا أن الوضع المثالي هو عندما يقبض العالم على “علاقة بين مصطلحات من شأنها أن تصل به إلى المُطلق واليقين العام”. كما أوضح ابن سينا أنه هناك طريقتين للوصول إلى المبادئ الأساسية: الطريقة الأرسطية القديمة (الاستقراء)، والطريقة الأحدث (الفحص والتجربة)”.[25]
ثابت بن قرة التجربة في الجغرافيا والفلك
في مجال الفلك وجغرافيا الأرض استطاع علماء المسلمين استعمال المنهج التجريبي وقاموا بقياس طول قطر الأرض ومحيطها، وقد رأَس “ثابت بن قرة” لجنة قياس طول قطر الأرض ومحيطها أيامَ هارون الرشيد، وذلك بأن قاس طول الدرجة القوسية بدقة، واتجه فريق صوبَ الشمال، بينما اتجه فريق آخر صوبَ الجنوب، في نفس خط الطول، وكان يقيس خطوط العرض بقياس ارتفاع النجم القطبي، وهي طريقة سليمة، ولقد وجد أن طول الدرجة القوسية يعادل نحو 56 ميلاً[26].
الخوارزمي والبيروني في الرياضيات والهندسة :
يعتبر الخوارزمي من أكبر العلماء العالميين العرب الذين تركوا مآثر جليلة في العلوم الرياضية والفلكية، وكان نجماً متألقاً في سماء الرياضيات، ويدين له كثير من علماء العرب وعلماء أوربا واهتدوا بنوره لما أضافه من كنوز جديدة لكنوز المعرفة الثمينة، فكان على رأس مجموعة كبيرة من المترجمين والعلماء الفلكيين والرياضيين في بيت الحكمة في بغداد في عهد المأمون فلقد طور الخوارزمي في بيت الحكمة الفكر الرياضي بإيجاد نظام لحل كل معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية، ويعتبر كتاب “الجبر والمقابلة” للخوارزمي هو أول محاولة منظمة لتطوير علم الجبر على أسس علمية منطقية، وقد وصف جورج سارتون النصف الأول من القرن التاسع بعصر الخوارزمي في كتابه “مقدمة في تاريخ العلوم” لأن الخوارزمي كن أعظم رياضي في ذلك العصر[27].
وقد أتى أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في أَوْج العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ليُمَثِّل أعلى مَدٍّ بَلَغَتْه العقلية العلمية، فقد كانت عقلية البيروني مصبوبة في أُطُر المنهجية العلمية ومدموغة بسيماء العلم، ومتمثلة لقيم العلم، ومتكرسة لأهداف العلم، بالمفهوم الحديث لمصطلح العلم؛ أي المفهوم الإخباري المنهجي المُقَنَّن المُنْصَب على العالم الواقعي المتعين .[28]
فقد كان المنطلَق الأساسي لهذا المبحث “أن البيروني لم يَبْلُغ مَكَانَتَه التي جَعَلَتْه الوحيد في الحضارة العربية الذي يُلَقَّب بلقب» الأستاذ«، وجعلَت المستشرق الألماني إدوارد ساخاو بعد أن حَقَّق بعض كُتُب البيروني يقول عنه عام1887 : إنه أَعْظَم عقلية عَرَفَها التاريخ.إلا لأنه جَعَلَ التجريب من عمد البحث العلمي، ومارَسَهُ مُتَحَرِّيًا الضبط عن طريق الآلات الدقيقة قَدْرَ المستطاع آنذاك، فلو لم يفعل لَمَا أصبح عالمًا طبيعيٍّا مذكورًا، فاهتم بتحري المشاهَدة والاستقراء والرصد والتتبع، ورأى أن العلم اليقيني لا يُحَصَّل إلا من إحساسات يُؤَلِّف بينها العقل علي نمط منطقي”. [29]
الهوامش
[1] – الخولي، يمني طريف، بحث في تاريخ العلوم عند العرب، الناشر مؤسسة هنداوي CIC ، الطبعة الأولى 2018 ص 27.
[2] – الخولي، يمني طريف، بحث في تاريخ العلوم عند العرب، الناشر مؤسسة هنداوي CIC ، الطبعة الأولى 2018 ص 41.
[3] – المرجع السابق نفسه.
[4] – عصام الدين، عبدالرؤوف، دور المسلمين في التطور العلمي، مقال منشور بموقع الألوكة : https://www.alukah.net/culture/0/68230/ تاريخ الاطلاع 20 مارس 2020
[5] – العزاوي، رحيم يونس كرو، مقدمة في منهج البحث العلمي، سلسلة المنهل في العلوم التربوية ، الطبعة الأولى 2008 ص 22.
[6] – العزاوي، مقدمة في منهج البحث العلمي، ص 45.
[7] – العزاوي، مقدمة في منهج البحث العلمي، ص 46.
[8] – العزاوي، مقدمة في منهج البحث العلمي، ص 109.
[9] – موقع موسوعة zmescience تم الاطلاع بتاريخ 20 فبراير 2026
https://www.zmescience.com/science/scientific-method-steps/
[10] – نفس المرجع السابق
[11] – العزاوي، رحيم يونس كرو، مقدمة في منهج البحث العلمي ص 115.
[12] – رينيه تاتون، تاريخ العلوم العام، العلم القديم والوسيط، ترجمة على مقلد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت 1988 م، ص 52.
[13] – Jean-Paul THOMAS مترجم عن مقال: نشأة المنهج العلمي التجريبي، موسوعة universalis ، تم الاطلاع على الرابط التالي بتاريخ 18 فبراير 2026م.
https://www.universalis.fr/encyclopedie/experience-et-experimentation-sciences/2-naissance-de-la-methode-experimentale/
[14] – جورج سارتون، تاريخ العلم، الترجمة العربية، دار المعارف بمصر 1976م، ص 112.
[15] – ج. د. برنال، العلم في التاريخ، ترجمة علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1981م، ج1 ص 115.
[16]– الترجمة العربية لمقال (سميث) في مجلة الثقافة العالمية، العدد 44، الكويت 1989م.
[17] – يوسف، كمال، الإسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة، دار الوفاء للطبع والنشر، ط1، 1990م. ص 17.
[18] – الفندي، دراسات في الحضارة الإسلامية، ص 274.
[19] – بركات، محمد مراد، جابر بن حيان: رائد منهج البحث العلمي، مجلة المسلم المعاصر، العدد 50، ص 17.
[20] – نفس المصدر السابق.
[21] – نفس المصدر السابق.
[22] – نفس المصدر السابق.
[23] – الحسين، محجوب محمد، جهود علماء المسلمين في إرساء المنهج العلمي، مجلة دراسات تربوية، كلية التربية بجامعة إفريقيا العالمية، العدد السادس 2017م، ص 156.
[24] – نفس المصدر السابق
[25] – مترجم عن: McGinnis، Jon (July 2003)، “Scientific Methodologies in Medieval Islam”، Journal of the History of Philosophy، 41 (3): 307–327
[26] – نفس المصدر السابق
[27] – زغوان، بشير حسني، ورقة علمية بعنوان: إسهامات علماء العرب والمسلمين في العلوم الأساسية وأثرها في بناء الحضارة الغربية، المؤتمر الدولي للغة العربية بدبي 2014، ص 6.
[28] – الخولي، يمني طريف، بحث في تاريخ العلوم عند العرب، ص 72
[29] – المرجع السابق نفسه







