الملخص التنفيذي:
تبحث هذه الدراسة في التحول التاريخي لموقع الرمز اليهودي داخل المخيال المسيحي الغربي، وتقترح مقاربة تحليلية تقوم على فكرة إعادة التموضع التأويلي للرموز الحضارية. فتنطلق من فرضية مفادها أن “التحولات الكبرى في تاريخ الرموز لا تحدث فقط عبر اختفاء الرموز أو انقلاب دلالاتها، بل قد تتم عبر تغير الموقع الذي تشغله داخل الشبكة التأويلية التي تنتج معناها ضمن حضارة معينة”.
يطبّق المقال هذه الفرضية على حالة الرمز اليهودي في الغرب المسيحي، عبر مسار تاريخي طويل، يمتد من العصور المسيحية المبكرة، حتى الزمن المعاصر. ويبيّن التحليل أن صورة اليهود في أوروبا المسيحية الوسيطة قد تشكلت داخل بنية رمزية أدّت ثلاث وظائف مترابطة:
- وظيفة لاهوتية تفسر موقع اليهود داخل سردية الخلاص المسيحية.
- وظيفة اجتماعية تنظم حضورهم داخل المجتمع الأوروبي.
- وظيفة رمزية أسهمت في تعريف الهوية المسيحية في مقابل “الآخر”.
غير أن هذا التموضع لم يبق ثابتًا عبر الزمن. فمع الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بدأت عملية إعادة قراءة للنصوص الكتابية، مما نتج عنه مراجعة إدراج اليهود داخل الأفق النبوئي للتاريخ. ثم جاءت القراءات الاستعادية في إنجلترا القرن السابع عشر، لتمنح هذا الإدراج بعدًا جديدًا، قبل أن تتبلور هذه الرؤية بصورة أكثر انتظامًا في اللاهوت التدبيري في القرن التاسع عشر، حيث جرى ربط دور اليهود بمخطط تاريخي ونبوئي محدّد، وبجغرافيا معينة.
ولم يأت القرن العشرين حتى التقى هذا المسار التأويلي الطويل مع التحولات الكبرى في النظام الدولي: فقد شكّل وعد بلفور، عام 1917، لحظة التقاء، بين الخلفية الرمزية المتشكلة داخل الثقافة الأنغلوساكسونية، والحسابات الجيوسياسية للإمبراطورية البريطانية. ثم جاءت تحوّلات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما صدمة الهولوكوست وانتقال مركز القوة في الغرب إلى الولايات المتحدة، لتساهم في تثبيت التموضع الجديد للرمز اليهودي داخل النظام السياسي والثقافي الغربي.
تعمل هذه الدراسة أن تظهر أنّ هذا التموضع المعاصر لم ينتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل معقد بين عناصر دينية وثقافية وسياسية ومؤسساتية: ففي أوروبا لعبت ذاكرة الهولوكوست دورًا مركزيًا في إعادة صياغة العلاقة مع اليهودية داخل الوعي العام، بينما ارتبط الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة أيضًا بتأثير التيارات الإنجيلية والثقافة الدينية البروتستانتية. كما ساهمت مؤسسات الدولة والقانون والإعلام والجامعات في تثبيت هذا التموضع داخل المجال العام.
وفي القسم الأخير تقدم الدراسة مقاربة استشرافية مشروطة، تستكشف السيناريوهات المحتملة لتحول هذا التموضع في العقود القادمة. وتقترح ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار التموضع الحالي، أو تحوله إلى موضوع استقطاب داخل المجتمعات الغربية، أو دخوله في فضاء عالمي متعدد السرديات، مع تغيّر بنية النظام الدولي.
لتخلص الدراسة إلى أن الرموز الحضارية نادرًا ما تختفي من المخيال الثقافي للحضارات، لكنها قد تشهد تحولات متكررة في موقعها، داخل أنظمة المعنى. ومن ثم فإن فهم التحولات التاريخية الكبرى يتطلب تحليل الكيفية التي يعاد من خلالها إدراج الرموز داخل الشبكات التأويلية، التي تربط بين الدين والذاكرة والتاريخ والسياسة.
ثالثا: هندسة التحول (1830- 1917): من تدبيرية داربي إلى الإنجيلية الأمريكية:
إذا كان القرن السابع عشر قد شهد التصدع الأول في موضع الرمز اليهودي، داخل المخيال البروتستانتي الإنجليزي، فإن القرن التاسع عشر سيشهد لحظة مختلفة نوعيًا: لحظة تنظيم هذا التحول داخل بنية لاهوتية مكتملة: فالأفكار التي ظهرت متفرقة في القراءات النبوئية والاستعادية بدأت تتحول إلى نظام تفسير شامل للتاريخ الديني، وهو ما تحقّق بصورة أوضح مع ما عُرف لاحقًا بـ التدبيرية Dispensationalism.
ارتبط هذا التحول باسم اللاهوتي الإيرلندي جون نلسون داربي John Nelson Darby (1800-1882)، أحد مؤسسي جماعة الإخوة البليموثPlymouth Brethren : فقد طوّر داربي قراءة للتاريخ المقدس، تقوم على تقسيمه إلى حقب سبعة أو “تدابير” قدَرية إلهية متعاقبة، لكل حقبة قوانينها، ووظيفتها داخل “خطة العناية الإلهية”: وفي هذا الإطار أعيد إدراج اليهود داخل تصور لاهوتي جديد، يقوم على الفصل بين مسار الكنيسة ومسار إسرائيل في التاريخ، بحيث تُعدّ مرحلة الكنيسة طورًا واحدًا، ضمن مخطط إلهي أوسع، بينما تبقى الوعود التوراتية الموجّهة إلى إسرائيل، بانتظار تحققها في المستقبل عندما يُستأنف التعامل الإلهي مع الشعب اليهودي. وكما يوضح المؤرخ الأمريكي بول بوير Paul Boyer (1935-2012)، فقد «أصرّ التدبيريون على التمييز الصارم بين إسرائيل والكنيسة، معتبرين أن عصر الكنيسة ليس سوى مرحلة واحدة في خطة الله تتكشف فيها الأحداث للتاريخ (Unfolding)، وأن الوعود الكتابية الموجّهة إلى إسرائيل ستتحقق في المستقبل عندما يستأنف الله تعامله مع الشعب اليهودي» .[1]
تكمن أهمية هذا التطور في أنه نقل الفكرة من مستوى التوقع النبوئي العام إلى نظام تفسيري متماسك، يمكن تعليمه وتداوله داخل الأوساط الدينية. وبينما كانت الاستعادية اليهودية في القرن السابع عشر تمثل اتجاهًا فكريًا داخل بعض الدوائر البروتستانتية، والتي ربطت بين النبوءة الإنجيلية وعودة اليهود، شهد القرن التاسع عشر التدبيرية، باعتبارها تطورًا لاهوتيًا أكثر انتظامًا: فقد قدّم هذا الاتجاه إطارًا تفسيرياً، يربط النبوءة الكتابية بالتاريخ والجغرافيا والسياسة، ويعيد إدراج اليهود في مسار تحقق “الوعد الإلهي” عبر التاريخ. وهنا يشير دونالد لويس إلى أن كثيرًا من الإنجيليين، في القرن التاسع عشر لم ينظروا إلى عودة اليهود إلى فلسطين، بوصفها مجرد مطلب سياسي، بل بوصفها جزءًا من الخطة الإلهية للتاريخ، وعنصرًا أساسيًا في تحقّق النبوءات المتعلقة بإسرائيل.[2] وعلى هذا النحو أسهمت التدبيرية في تحويل فكرة العودة، من تصور لاهوتي محدود إلى إطار فكري منظم، يربط بين النص النبوئي ومسار التاريخ الحديث.
غير أن التحول الأهم لم يكن في صياغة الفكرة فقط، بل في انتقالها الجغرافي والثقافي: فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت هذه القراءة تنتشر بقوة داخل العالم البروتستانتي في الولايات المتحدة، خصوصًا عبر التعليم الديني وحركات الإحياء الإنجيلية. وكان لصدور الإنجيل المرجعي لسكوفيلد Scofield Reference Bible (1909) دورٌ كبير في نشر القراءة التدبيرية، بين قطاعات واسعة من المسيحيين الإنجيليين، إذ لم يقتصر على تقديم النص الكتابي، بل أرفقه بحواشٍ تفسيرية، وإحالات مرجعية، صاغت رؤية نبوئية متكاملة للتاريخ. وقد أسهم هذا العمل في ترسيخ تصور لاهوتي، يرى أن عودة إسرائيل واستعادة دورها في التاريخ، تمثلان جزءًا من تحقيق النبوءات الكتابية المرتبطة بأحداث نهاية الزمان.
وكما يوضح المؤرخ الأمريكي تيموثي ب. ويبر Timothy P. Weber (1940-2017): «إن نشر الإنجيل المرجعي لسكوفيلد عام 1909 منح التدبيرية دفعة هائلة، إذ فاقمت ملاحظاته التفسيرية، وإحالاته المرجعية، على تعميم منظومة نبوئية علّمت كثيرًا من الإنجيليين أن يتوقعوا استعادة إسرائيل، وأن يقرأوا الأحداث المعاصرة، بوصفها علامات على اقتراب نهاية الأزمنة».[3]
وعليه، تمثل هذه المرحلة خطوة جديدة في مسار إعادة التموضع التأويلي للرمز اليهودي داخل المخيال الغربي: فالفكرة التي ظهرت أولًا داخل التفسير اللاهوتي الإنجليزي تحولت هنا إلى بنية فكرية قابلة للانتشار عبر الأطلسي، لتصبح جزءًا من الثقافة الدينية والسياسية في العالم الأنغلوساكسوني الأوسع. وبذلك ينتقل التحليل في هذا القسم إلى تتبع الكيفية التي أعادت بها التدبيرية تنظيم موقع الرمز اليهودي داخل النظام التأويلي الحديث، وكيف ساهم انتقالها إلى الولايات المتحدة في ترسيخ هذا التموضع داخل الثقافة الغربية المعاصرة.
1. داربي: الفصل بين الكنيسة وإسرائيل كتحول بنيوي في “الخطة”:
يمثل فكر جون نلسون داربي John Nelson Darby (1800-1882) نقطة مفصلية في مسار التحول الذي نتتبعه: فقبل داربي كانت القراءات الاستعادية البروتستانتية تميل إلى إدراج اليهود، داخل السردية المسيحية، بوصفهم جزءًا من تحقق النبوءات، التي ستقود في النهاية إلى انتصار الكنيسة، أو اندماج اليهود في الإيمان المسيحي. أما داربي فقد أدخل تحولًا بنيويًا مختلفًا: إذ فصل بين مسار الكنيسة و مسار إسرائيل داخل التاريخ المقدس.
ظهر تصور التدبيرية داخل الإطار اللاهوتي الذي عُرف لاحقًا، وهو نظام تفسير للتاريخ، يقسمه إلى حقب أو “تدابير” إلهية متعاقبة. في هذا النظام، لا تمثل الكنيسة استمرارًا مباشرًا لإسرائيل، كما كان شائعًا في اللاهوت المسيحي التقليدي، بل حقب تسعة، ضمن خطة إلهية أوسع. ضمن المنظور التدبيري، يُنظر إلى إسرائيل، أي العرق اليهودي، بوصفها كيانًا يحتفظ بدورٍ مستقبلي خاص، داخل التاريخ الإلهي، ولا يذوب في مسار الكنيسة. فالتدبيريون يؤكدون وجود تمييز دائم بين شعبين في خطة الله: إسرائيل والكنيسة، ويرون أن الوعود الكتابية، التي قُدمت لإسرائيل، ستتحقق حرفيًا في المستقبل، دون أن تُلغى أو تُستبدل بالكنيسة. وكما يوضح تيموثي: «يصرّ التدبيريون على أن لله شعبين متميزين، إسرائيل والكنيسة، وأن الوعود الكتابية التي قُدمت لإسرائيل ستتحقق حرفيًا في المستقبل؛ فالكنيسة لا تحل محل إسرائيل، بل تحتفظ إسرائيل بدور منفصل ومستقبلي داخل خطة الله للتاريخ» .[4]
بهذا المعنى، لم يكن داربي يعبّر عن تعاطف ثقافي مع اليهود، بقدر ما كان يعيد تنظيم الهندسة الزمنية للتاريخ المقدس. في هذا التصور التدبيري، لا يُنظر إلى اليهود، بوصفهم بقايا مرحلة دينية سابقة أو مجرد شاهد تاريخي على العهد القديم، بل باعتبارهم جماعة مرتبطة بمرحلة قادمة من التدبير الإلهي. فالتدبيريون يرون أن لإسرائيل دورًا مستقبليًا داخل مسار الخلاص، وأنها لا تذوب في تاريخ الكنيسة. وكما يوضح تيموثي، فإن هذا المنظور يقوم على الاعتقاد بأن «اليهود ما زال لهم دور مركزي في خطة الله، وأن إسرائيل والكنيسة شعبان متميزان، لكل منهما مصيره داخل دراما الفداء.[5]
تكمن أهمية هذا التحول في أنه غيّر الإطار الذي تُفهم ضمنه عودة اليهود في الفكر البروتستانتي: ففي حين كانت بعض القراءات السابقة، ترى في عودة اليهود، تمهيدًا لاندماجهم النهائي داخل الكنيسة، اعتبر داربي أن لهذه العودة وظيفة داخل خطة إلهية مستقلة. ومن هنا لم يعد الرمز اليهودي مجرد عنصر في الجدل اللاهوتي حول الماضي، بل أصبح مرتبطًا بالبنية المستقبلية للتاريخ الديني نفسه.
ومن منظور النموذج التحليلي الذي يقترحه هذا المقال، يمكن النظر إلى فكر داربي بوصفه لحظة إعادة تنظيم للبنية التأويلية التي يندرج فيها الرمز اليهودي داخل المخيال الغربي. فبدل أن يتغير الرمز نفسه، أعيد ترتيب موقعه داخل الخطة الكبرى للتاريخ، وهو ما سيتيح لاحقًا انتقال هذا التصور من المجال اللاهوتي إلى المجال الثقافي والسياسي الأوسع، خصوصًا بعد انتشاره في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
2. سكوفيلد: تحويل اللاهوت إلى جهاز قراءة جماهيري:
إذا كان داربي قد صاغ الإطار اللاهوتي الذي أعاد ترتيب العلاقة بين الكنيسة وإسرائيل داخل الخطة الإلهية، فإن التحول الحاسم حدث عندما انتقلت هذه الرؤية من نطاق النخبة اللاهوتية إلى نطاق القراءة الدينية اليومية. وقد تحقق ذلك بصورة واضحة مع اللاهوتي الأمريكي الإنجيلي التدبيري سايروس إنغرسول سكوفيلد Cyrus Ingerson Scofield ( 1843-1921) بنسخته التفسيرية الإنجيلية “الإنجيل المرجعي لسكوفيلد”.
لم يكن هذا العمل مجرد طبعة من الكتاب المقدس، بل كان نظامًا تفسيرياً كاملاً مدمجًا داخل النص نفسه. فقد أضاف سكوفيلد شبكة واسعة من الحواشي والتعليقات والتقسيمات الزمنية التي تقدم للقارئ تفسيرًا متكاملاً للتاريخ المقدس وفق المنظور التدبيري الذي طوره داربي. وبذلك لم تعد التدبيرية مجرد نظرية لاهوتية يتداولها المتخصصون، بل تحولت خلال القرن العشرين إلى طريقة شائعة لقراءة الكتاب المقدس لدى ملايين القراء في العالم البروتستانتي، ولا سيما في الولايات المتحدة. فقد انتشرت هذه القراءة عبر معاهد الكتاب المقدس، ومؤتمرات النبوءات، والكتب الشعبية، إضافة إلى الدور الكبير الذي لعبه الإنجيل المرجعي لسكوفيلد في تعميمها بين عامة المؤمنين. وكما يوضح تيموثي: «انتشرت التدبيرية السابقة للألفية على نطاق واسع بين الإنجيليين الأمريكيين في القرن العشرين، ومن خلال معاهد الكتاب المقدس ومؤتمرات النبوءات والكتب الشعبية، ولا سيما عبر الإنجيل المرجعي لسكوفيلد، أصبحت المنظومة الطريقة القياسية التي تعلّم من خلالها كثير من المؤمنين العاديين قراءة الكتاب المقدس وتفسير النبوءات» .[6]
تكمن أهمية هذه اللحظة، في كونها حوّلت البنية اللاهوتية إلى جهاز إدراك جماهيري: فالقارئ العادي لم يكن بحاجة إلى دراسة لاهوتية معمقة ليتبنى هذا التصور؛ إذ كانت الحواشي التفسيرية المرافقة للنص تقدم إطارًا جاهزًا يربط بين النبوءة والتاريخ والسياسة.
وقد لعب الإنجيل المرجعي لسكوفيلد دورًا محوريًا في ترسيخ التصور التدبيري للنبوءة داخل الثقافة الإنجيلية في العالم الأنغلوسكسوني خلال القرن العشرين: فمنذ صدورها سنة 1909 لم تكن مجرد طبعة تفسيرية للكتاب المقدس، بل تحولت إلى أداة تعليمية ساهمت في نشر نظام تأويلي كامل يربط بين النصوص النبوئية ومسار التاريخ. ويشير دونالد لويس إلى أن هذه الطبعة، كان لها مفعول أكثر من أي كتاب إنجيلي آخر في تعميم الأفكار التدبيرية بين البروتستانت الناطقين بالإنجليزية، إذ وفّرت عبر هوامشها وإحالاتها المتقاطعة منظومة تفسيرية جاهزة تضع استعادة إسرائيل في موقع مركزي داخل الخطة النبوئية للتاريخ.[7] وعلى هذا النحو أسهمت هذه الطبعة في نقل الفكرة من مجال النقاش اللاهوتي المحدود إلى فضاء أوسع داخل الثقافة الدينية الأمريكية.
ومن منظور التحليل الذي نتبعه، يمثل سكوفيلد مرحلة مختلفة في مسار إعادة التموضع التأويلي: فبينما أعاد داربي تنظيم الخطة اللاهوتية، قام سكوفيلد بتثبيت هذه القراءة داخل الوعي الديني الشعبي، عبر وسيط نصي شديد التأثير. أي أن الرمز اليهودي لم يعد موضوعًا لنقاش لاهوتي محدود، بل أصبح عنصرًا حاضرًا داخل تصور واسع للتاريخ الإلهي يتداوله ملايين القراء.
وهكذا انتقلت فكرة إدراج اليهود داخل الخطة المستقبلية للتاريخ، من مستوى التأمل اللاهوتي إلى مستوى الثقافة الدينية الجماهيرية، وهي الخطوة التي ستجعل هذا التصور أكثر قابلية للعبور من المجال الديني إلى المجال السياسي في القرن العشرين.
3. كيف أصبح “المكان” (فلسطين/القدس) عنصرًا في الشبكة التأويلية:
حتى مرحلة متأخرة من التاريخ البروتستانتي ظل حضور اليهود في القراءات النبوئية مرتبطًا أساسًا بالبُعد الزمني، أكثر من ارتباطه بالبُعد الجغرافي: فقد كان النقاش اللاهوتي يتمحور حول موقع اليهود في مسار التاريخ الإلهي وخطته الخلاصية، لا حول المكان الذي ستتحقق فيه تلك الأدوار. غير أن التحولات التي عرفها الفكر التدبير Dispensationalism، في القرن التاسع عشر نقلت النقاش إلى مستوى جديد؛ إذ لم يعد الحديث عن اليهود منفصلًا عن إعادة إدراج المكان ذاته، داخل البنية التأويلية للتاريخ المقدس.
في هذا السياق اكتسبت فلسطين، وبشكل خاص القدس، موقعًا مركزيًا داخل التصور النبوئي البروتستانتي: فوفق القراءة التدبيرية لا تتحقق النبوءات المرتبطة بإسرائيل إلا إذا عاد اليهود إلى الأرض التي ارتبطت بتاريخهم التوراتي. وهكذا أصبح المكان ليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا داخل البنية التفسيرية للتاريخ.
وقد لاحظ تيموثي أن الفكر الإنجيلي في القرنين التاسع عشر والعشرين بدأ ينظر إلى فلسطين، لا بوصفها مجرد إقليم جغرافي في الشرق، بل باعتبارها مسرحًا ضروريًا لتحقيق النبوءات الكتابية: فقد ربطت القراءات التدبيرية للنصوص المقدسة بين عودة اليهود إلى “أرضهم”، وبين تحقق الحقب الأخيرة من التاريخ المقدس. وبالمثل، يشير دونالد لويس، إلى أن التدبيرية علّمت أن رجوع اليهود إلى فلسطين يمثل خطوة أساسية في تحقق الجدول الزمني النبوئي، وأن هذه الأرض ستصبح، مرة أخرى، المسرح الذي ستجري عليه الأحداث النهائية المرتبطة بتمام النبوءات الكتابية.[8]
غير أن هذا التحوّل لم يتشكل دفعة واحدة، بل نتج عن تفاعل مجموعة من العوامل الدينية والثقافية. فقد أسهمت الرحلات التبشيرية والاستكشافات الأوروبية في الشرق الأدنى، في جعل الجغرافيا التوراتية أكثر حضورًا في المخيال الديني الغربي. كما ساعد تطور علم الآثار الكتابي، والاهتمام بالخرائط التوراتية على ربط النصوص المقدسة، بفضاء جغرافي محدد، يمكن تحديده على الخريطة.
ومع هذا التطور بدأ تصور التاريخ الديني يرتبط تدريجيًا بأماكن واقعية قابلة للتعيين والزيارة. فالأحداث التأسيسية في السردية الكتابية لم تعد تُفهم في الوعي المسيحي بوصفها مجرد حكايات رمزية من الماضي، بل بوصفها وقائع تاريخية حدثت في مواقع محددة. وفي هذا السياق يشير روبرت لويس ويلكن إلى أن “أرض الكتاب المقدس” Bible Land قد تحولت في المخيال المسيحي إلى ما يشبه “جغرافيا للذاكرة”، حيث ارتبط تاريخ الخلاص بأماكن محددة، مثل بيت لحم والقدس ونهر الأردن، وهي مواقع أصبح بإمكان الحجاج تحديدها وتجربتها في الواقع.[9]
وعلى هذا النحو، لم يعد المكان مجرد إطار للأحداث الدينية، بل أصبح جزءًا من البنية التأويلية نفسها؛ إذ أُدرجت فلسطين داخل المخيال الديني الإنجيلي، بوصفها الفضاء الذي ستتجسَّد فيه دراما التاريخ النبوئي في مراحله الأخيرة.
ومع انتشار التدبيرية في الولايات المتحدة عبر الكنائس الإنجيلية، والمدارس اللاهوتية، والكتاب المقدس المرجعي لسكوفيلد، أصبحت هذه الرؤية أكثر رسوخًا داخل الثقافة الدينية الأمريكية. فلم يعد اليهود يُنظر إليهم بوصفهم جماعة لها دور في نهاية التاريخ فحسب، بل جماعة يرتبط دورها أيضًا بمكان محدد يُفهم بوصفه جزءًا من الترتيب الإلهي لمسار التاريخ.
وقد أدى هذا الإدراج إلى تحول مهم في الشبكة التأويلية؛ إذ لم تعد الجغرافيا مجرد إطار تقع فيه الأحداث، بل أصبحت هي نفسها عنصرًا من عناصر المعنى داخل التصور النبوئي للتاريخ.
ومن منظور هذا المقال، يمثل هذا التطور خطوة إضافية في مسار إعادة التموضع التأويلي للرمز اليهودي داخل المخيال الغربي. فبعد أن أُعيد إدراج اليهود داخل الزمن النبوئي، جرى ربطهم أيضًا بمكان محدد داخل الجغرافيا المقدسة. وبذلك اكتملت العناصر التي ستسمح لاحقًا بانتقال هذا التصور، من المجال الديني إلى المجال السياسي، عندما يبدأ التعامل مع ذلك المكان، لا بوصفه رمزًا دينيًا فحسب، بل بوصفه موضوعًا لسياسات واقعية في العالم الحديث.
4. النتيجة: انتقال الرمز من “علامة” إلى “وظيفة قابلة للترجمة السياسية”:
مع اكتمال التحولات التي عرفتها القراءة التدبيرية وانتشارها داخل الثقافة البروتستانتية الأنغلوساكسونية، لم يعد الرمز اليهودي يشتغل داخل المخيال الغربي بوصفه مجرد علامة لاهوتية ضمن السردية الدينية، بل بدأ يتحوّل تدريجيًا إلى عنصر يحمل وظيفة قابلة للترجمة داخل المجال السياسي. فالفكرة التي كانت في القرون السابقة جزءًا من تفسير النبوءات الكتابية أصبحت، عبر تراكم القراءات التأويلية، إطارًا يربط بين الدين والتاريخ والجغرافيا بطريقة تسمح بإسقاطها على الواقع.
في هذه اللحظة يظهر التحول التالي: لم يتغير الرمز ذاته، ولم تختفِ طبقاته السابقة، لكن قد تغيّرت زاوية إدراجه داخل النظام المنتج للمعنى . ففي اللاهوت المسيحي الوسيط كان اليهود يُفهمون أساسًا بوصفهم علامة داخل قصة الخلاص المسيحية، أي بقايا تاريخية تؤكد صدق النبوءات السابقة. غير أن القراءات الاستعادية في العصر الحديث المبكر أعادت إدراجهم داخل الزمن النبوئي بوصفهم عنصرًا مرتبطًا بمستقبل التاريخ المقدس. ومع ظهور التدبيرية في القرن التاسع عشر اكتسب هذا التصور إطارًا تفسيرياً أكثر انتظامًا، إذ أصبحت علاقة اليهود بالأرض والتاريخ جزءًا من بنية تأويلية متماسكة للنبوءة الكتابية.
وفي هذا السياق، يشير دونالد لويس إلى أن التدبيرية قدمت نظامًا تفسيرياً للنبوءة يجعل استعادة اليهود لأرضهم عنصرًا مركزيًا في الخطة الإلهية للتاريخ، بحيث يُفهم اليهود داخل هذا الإطار لا بوصفهم مجرد جماعة دينية، بل بوصفهم فاعلين داخل دراما نبوئية تنتهي بتحقق الوعود المتعلقة ب”أرض إسرائيل”.[10]
ومع انتشار هذه القراءة، داخل الثقافة الدينية الأمريكية والأنغلوساكسونية، أصبح من الممكن ترجمة هذا الإطار التأويلي إلى مواقف عملية داخل المجالين السياسي والثقافي.
تكمن أهمية هذه المرحلة، في كونها تكشف كيف يمكن للرمز أن ينتقل من مستوى العلامة داخل الخطاب الديني، إلى مستوى الوظيفة داخل المجال العام: فالتحوّل لم يكن انتقالًا مباشرًا من اللاهوت إلى السياسة، بل نتيجة إعادة تنظيم تدريجية للشبكة التأويلية التي تربط النص بالتاريخ والمكان. وما كادت هذه الشبكة تشرع في الاكتمال، حتى أصبح من الممكن أن تتحوّل القراءة الدينية إلى تصوّر يمكن أن تتبناه مشاريع تاريخية أكاديمية و حركات اجتماعية سياسية.
من منظور هذا النموذج الذي يقترحه المقال، تمثل هذه اللحظة استقرارًا مرحليًا لتموضع جديد للرمز اليهودي داخل المخيال الغربي: موضع لم يعد فيه الرمز مجرد عنصر في جدل لاهوتي، بل أصبح جزءًا من تصور أوسع للتاريخ يمكن أن يؤثر في السياسات والخيارات الجماعية. ومن هنا ينتقل التحليل في القسم التالي إلى تتبع الكيفية التي ستتجسد بها هذه الإمكانات داخل الواقع السياسي للعالم الحديث.
- خلاصة هندسة التحول:
يتّضح من المسار الذي تم تتبعه في هذا القسم أن التحول الذي بدأ بوصفه إعادة قراءة لاهوتية في إنجلترا القرن السابع عشر بلغ في القرن التاسع عشر مرحلة جديدة أكثر تركيبًا. فمع جون نلسون داربي لم يعد إدراج اليهود في السردية المسيحية مجرد توقع نبوي عام، بل أصبح جزءًا من هندسة لاهوتية تعيد تنظيم التاريخ الديني نفسه عبر الفصل بين مسار الكنيسة ومسار إسرائيل. ثم جاء سكوفيلد ليحوّل هذا الإطار النظري إلى جهاز قراءة واسع الانتشار، يدمج التفسير داخل النص ويجعله متاحًا لقطاعات كبيرة من القراء.
في هذه المرحلة لم يعد التحول يقتصر على إعادة تفسير النصوص، بل أصبح يتعلق بإعادة تنظيم البنية التأويلية التي تربط بين النص والتاريخ. فالزمن النبوئي، والفاعل التاريخي، والمكان الجغرافي أصبحت عناصر مترابطة داخل تصور واحد. فلم يعد اليهود يُفهمون بوصفهم بقايا مرحلة دينية سابقة، بل جماعة مرتبطة بدور مستقبلي داخل خطة التاريخ؛ ولم تعد فلسطين مجرد جغرافيا بعيدة، بل موقعًا مفترضًا لتحقيق النبوءة.
ومع انتقال هذه القراءة إلى الولايات المتحدة وانتشارها داخل الثقافة الإنجيلية أصبحت جزءًا من المخيال الديني والثقافي الذي يربط بين الإيمان والتاريخ والسياسة.
ومن منظور التحليل الذي يتبعه هذا المقال تمثل هذه المرحلة لحظة اكتمال البنية التأويلية التي تسمح بانتقال الرمز من موقعه داخل الخطاب الديني إلى موقع يمكن أن يُترجم لاحقًا داخل المجال السياسي. فالتحول لم يكن نتيجة قرار سياسي مباشر، بل حصيلة مسار طويل من إعادة ترتيب المعاني داخل الثقافة الغربية. وعندما اكتمل هذا الترتيب أصبح الرمز اليهودي قابلاً لأن يُقرأ داخل أفق يتجاوز اللاهوت إلى التاريخ المعاصر.
وهكذا يهيئ هذا المسار للمرحلة التالية من التحليل، حيث يبدأ هذا التموضع الجديد بالظهور في المجال السياسي الدولي منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما تلتقي الخلفية التأويلية التي تشكلت في العالم الأنغلوساكسوني مع مشاريع سياسية ستعيد تشكيل خريطة الحوض الإسلامي الأوسط والعالم.
الهوامش
[1] Paul Boyer, When Time Shall Be No More: Prophecy Belief in Modern American Culture (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), p. 87.
[2] Lewis, The Origins of Christian Zionism, p. 8.
[3] Timothy P. Weber, On the Road to Armageddon: How Evangelicals Became Israel’s Best Friend (Grand Rapids: Baker Academic, 2004), p. 61.
[4] Weber, On the Road to Armageddon, p. 10.
[5] Weber, On the Road to Armageddon, p. 27.
[6] Weber, On the Road to Armageddon, p. 24.
[7] Lewis, The Origins of Christian Zionism, p. 8.
[8] Lewis, The Origins of Christian Zionism, p. 25.
[9] Robert Louis Wilken, The Land Called Holy: Palestine in Christian History and Thought (New Haven – London: Yale University Press, 1992), p. 3.
[10] Lewis, The Origins of Christian Zionism, p. 5.






