قمت برحلة علمية إلى ماليزيا في جنوب شرق آسيا في بداية الألفية الثالثة لحضور مؤتمر علمي في الجامعة الإسلامية العالمية في كولالمبور، في رحلة طيران طويلة ومتعددة المحطات. لم أكن أعرف عن ماليزيا الكثير، إلا أنها من الدول الصغيرة في الجغرافيا والسكان، لكنها من النمور الأسيوية الناهضة، من خلال الجمع بين العلم الدقيق والأخلاق العالية والفضيلة. فقد استقلت عن المملكة المتحدة UK سنة 1957م. وتأسست بشكلها الحالي بنظام سياسي يقوم على ملكية دستورية فدرالية سنة1963.
ماكنت أعرفه عن ماليزيا التسعينيات، وما كان يصلنا، أنها أسست نهضتها على القيم الإسلامية، وأن مشروعها النهضوي في العلم والفضيلة قادته حركة شبابية ذات امتداد جماهيري في ماليزيا اسمها حركة ABIM؛ أي: الحركة الإسلامية للشباب في ماليزيا. وهي منظمة دعوية وإصلاحية، وكان من قادتها أنور إبراهيم Anwar Ibrahim، وهو رئيس ماليزيا اليوم. كان من القيادات الطلابية والحركية المشهورة في ماليزيا وذات تأثير كبير في صفوف الطلاب والمثقفين والأوساط الجامعية والأكاديمية والطبقات الوسطى في نهاية السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. صادف ظهوره ونشاطه الثقافي والسياسي بروز قطب آخر للتنمية الحديثة في ماليزيا هو الدكتور محمد مهاتير زعيم حزب الاتحاد الوطني الماليزيUMNO الحاكم في ماليزيا. وقع تحالف بين الرجلين فغادر أنور إبراهيم الحركة الدعوية ABIM والتحق بالحزب الحاكم UMNO. وتولى مناصب وزارية مهمة في الدولة؛ مثل: وزير الشباب والرياضة، ثم وزير التعليم العالي، ثم وزير المالية، ثم نائب رئيس الوزراء. وقاد مع الدكتور مهاتير سياسة اقتصادية ناجعة في ماليزيا تقوم على جذب الاستثمار وتشجيع النمو الاقتصادي الماليزي. واستطاعا الجمع بين خلفيتهما الدينية الإصلاحية والفعالية في الأداء السياسي والنزاهة الأخلاقية، وإدارة ملفات الاقتصاد الماليزي المعقدة.
دخلت إلى ماليزيا في السنوات الأولى من الألفية(2002)، فوجدت الوضع السياسي متوترا جدا في البلد بسبب الخلاف الذي نشب بين الحليفين دكتور محمد مهاتير وأنور إبراهيم أبرز وزراء حكومته (1998). ففصل مهاتير أنور ووجه له تهما كثيرة وجره إلى المحاكم، ووجدته حينها في الإقامة الجبرية، ثم اعتقل وزج به في السجن. تحدثت كتب كثيرة وتقارير عن هذه الأزمة بين قائدين كبيرين في ماليزيا من رواد نهضة ماليزيا الحديثة. ويرجع الكثيرون الأزمة إلى أياد خارجية في المحيط الإقليمي القريب من ماليزيا وفي المحيط الدولي البعيد، لم تكن تنظر بعين الرضى إلى هذا النموذج التنموي الصاعد والذي يتكئ على مرجعية إسلامية تخيف القريب والبعيد في سياق الحملة الغربية على النماذج التنموية الصاعدة في آسيا وفي إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية. خصوصا النماذج التي يظهر عليها التمايز المرجعي والعائد الثقافي والحضاري المتمرد على الحضن الكولونيالي.
خرج إذن أنور إبراهيم من المسؤؤلية السياسية ودخل في محنة المحاكمات والسجون، واستمر الدكتور مهاتير في مشروعه التنموي لنهوض ماليزيا. ولم يستسلم أنور لهذه الأقدار إذ قاد أنصاره حركة سياسية واسعة للدفاع عنه ومواجهة الدكتور محمد مهاتير. وتأسست حركة الإصلاح الماليزيةReformasi، وظهرت بسبب نشاطها تحالفات المعارضة الماليزية وقادت أنور إبراهيم إلى رئاسة الوزراء. وعاد من حيث أخرج لاستكمال برنامج النهوض الماليزي(2022).
لماذا ذكرت هذا السياق الذي وجدت فيه نفسي عند زيارتي لماليزيا في رحلة علمية؟ وماعلاقة هذا الحكي بالفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس، رحمه الله؟ اردت أن أظهر أنني لم أكن أتوفر إلا على معطيات سياسية تتعلق بماليزيا، وهي بالمناسبة كثيرة وفرعية ومرتبطة بسياقاتها المحلية. ذلك ماجعلني منذ أن وطئت قدماي مطار كولالمبور أهتم بملاحظات كل ما يصادفني في طريقي، من تجهيزات، وبنيات تحتية، وتنوع بشري عجيب، ووسائل نقل، وطرقات، وفنادق، ومساجد، ومعابد، وجامعات، وحدائق، وأسواق، وأزقة، وملاعب… مما دونته في مذكراتي التي قد ترى النور في يوم من الأيام.
مارأته عيني منذ ولوج مطار كوالالمبور ينطبق عليه (صدمة الشرق ودهشته)، بسبب من القوة المادية والتقنية والتنظيمية لهذا البلد. اكتشفت أننا نعيش في رقعة ضيقة من العالم نولي وجوهنا شطر الغرب آناء الحاضر وأطراف المستقبل، وخلفنا عالم آخر أقرب إلينا حضاريا، وأنسب لنا للإلهام في التنمية والنهوض، بناء على خصوصياتنا ومقوماتنا وإمكانياتنا، الثقافية والبشرية تحديدا، ولا نعرفه. لذلك كانت أزمتنا عندما اكتفينا بالترجمة الجامدة للكوجيطو(أنا أفكر إذن أنا موجود)، وبجواب كانط عن سؤال (ما الأنوار؟)؛ فلم نحقق وجودنا الحاضر اللائق بنا، ولم نصنع حالة تفكير مبدع في أوساطنا، كما لم ننجز تنويرنا. وفي المقابل لم ننتبه خلفنا إلى نداء حضاري أطلقه الدكتور محمد مهاتير عنوانا لمشروعه النهضوي الذي صعد بماليزيا بالاشتراك مع أنور إبراهيم، متفقين أو مختلفين، بعنوان: أنظر شرقا Look East، وهو عنوان مشروع نهوض يقوم على ركيزتين: الثقافة والاقتصاد؛ ويتفرع عن هذا الثنائي المترابط علاقات تركيبية متعمقة، تنشأ من خلال التربية والتعليم والخبرة العلمية، هي الأخلاق التطبيقية والانضباط Work Ethic، والتدبير الفعال، والابتكار، والتقنية الحديثة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، والثقة في الذات، والانطلاق من أعماقها، من الهوية والثقافة الوطنية القائمة على التعدد الديني والإثني، رغم أن أغلبية سكان مملكة ماليزيا مسلمون. صاغ مهاتير وأنور هذا النموذج وأعينهم تنظر شرقا إلى اليابان وكوريا الجنوبية والصين، وقد أدوا الإثنين ثمن هذه النظرة إلى الشرق غاليا، أقله أن فرقوا بينهما لإعاقة الصعود الماليزي المبهر.
وقع الخلاف السياسي الحاد بين الزعيمين لكنه لم يؤثر على منحنى الصعود التنموي. تعرفون لماذا؟ لأنه كان يقوم على أرضية صلبة، وعلى مادة رمادية مشعة ومشتركة، هي قيم الدين والأخلاق، وعلى سردية دينية إنسانية بآفاق رحبة وميتافيزيقا مركبة ومستوعبة لانتظارات الإنسان من الدين، بما يحول هذا النموذج الماليزي، والأسيوي عموما، إلى تجربة منهجية في التنمية قادرة على الجذب والإلهام.
وكانت اهتمامتي الفكرية تدفعني إلى البحث عن البنائين الأصلاء لهذه التجربة؛ بناء جذرها المعرفي، ومفاهيمها التأسيسية، وروحها الدينية. هنا وجدت الفيلسوف الماليزي سيد محمد نقيب العطاس، رحمه الله. شامخا ومؤسسا، ومن هنا بدأت الحكاية.
شاركت في مؤتمر علمي في الجامعة الإسلامية العالمية في أكتوبر2003، بعنوان: وحدة الأمة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين: فرص وتحديات. وأذكر أني شاركت بمداخلة بعنوان: (النقد الثقافي مدخلا إلى الوحدة والتأليف)، وقد نشرت ضمن أعمال المؤتمر. والجامعة الإسلامية العالمية تأسست سنة1983 من مبادرة مشتركة بين الحكومة الماليزية ومجموعة من الدول الإسلامية، خاصة: المملكة العربية السعودية، وباكستان، وتركيا، ومصر، والمالديف. وكان رئيس الحكومة الماليزية حينها الدكتور محمد مهاتير. تناوب على رئاستها المفكر المصري محمد عبد الرؤوف 1983-1988، والمفكر السعودي عبد الحميد أبو سليمان 1989-1999، والمفكر الماليزي محمد كمال حسن 1999-2006، وآخرون إلى اليوم. فعندما شاركت في المؤتمر كان حينها يرأسها الأستاذ محمد كمال حسن، رحمه الله. وصادف تاريخ تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية البروز السياسي لأنور إبراهيم بعد التحاقه بحزب الدكتور مهاتير UMNO(1982). وكانت الجامعة، بنظري، رغم طابعها العالمي صوتا معرفيا جديدا لحركة الصعود الماليزي الذي قاده مهاتير وأنور، على قاعدة الإصلاح الإسلامي الجديد. وستعزز هذا العمق المعرفي بتأسيس الفيلسوف محمد نقيب العطاس سنة1987 المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة International Institute of Islamic Thought and Civilisation (ISTAC)، سيتأسس المعهد داخل الجامعة الإسلامية العالمية مع مستوى كبير من الاستقلالية الأكاديمية كان نقيب العطاس حريصا عليه. وقد حدد العطاس للمعهد أهدافا تتقاطع مع أهداف الجامعة الإسلامية العالمية؛ فقد كان الهدف الأكبر لتأسيس الجامعة الإسلامية العالمية دمج المعرفة الإسلامية مع العلوم الاجتماعية والطبيعية الحديثة، وإعداد العلماء والمفكرين، والحفاظ على التراث الإسلامي، وتعزيز التفاهم بين الحضارات، وترسيخ ثقافة الخدمة المجتمعية، وصناعة القيادات الفكرية والأكاديمية العالمية. ومن هذا الأهداف الكبرى استخرج العطاس لمعهده أهدافا دقيقة ومنهجية، تقوم على إعادة بناء المعرفة من منظور إسلامي، ودراسة الحضارة الإسلامية، مع التركيز على محاور الفلسفة والتصوف واللغة والأدب والتراث العلمي، و من هنا التأسيس المعرفي والمنهجي لمشروعه الكبير (إسلامية المعرفة) من منظور نقدي. وهذا ما نلمسه في تراثه الفكري الممتد الذي خلفه من كتب ودراسات ومحاضرات ومؤسسات، مما سنأتي على ذكره.
وسيتعزز دور الجامعة الإسلامية العالمية في بناء الجذر المعرفي للقوة الجديدة الصاعدة في ماليزيا من خلال الشراكة التي ستعقدها مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن (تأسس سنة1981)، مما يعني أن فترة الثمانينيات كانت فترة تأسيس مؤسسات الفكر الإسلامي العالمية، من جامعات، ومعاهد، ومراكز. وحصلت شراكة كبيرة ونافعة بين الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا وبين المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، توجت سنة1989 بتولي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، رحمه الله، إدارة الجامعة الإسلامية العالمية لمدة عقد من الزمن. فحصلت شراكة فكرية بين المؤسستين، وتعاون أكاديمي، وتنسيق على مستويات البحث والنشر والتسويق المعرفي والإعلامي الأكاديمي لأطروحة (أسلمة المعرفة).
فنحن إذن أمام جامعة إسلامية عالمية IIUM، ومعهدين؛ معهد الفكر الإسلامي والحضارة ISTAC، برئاسة سيد محمد نقيب العطاس، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي IIIT، برئاسة عبد الحميد أبوسليمان، داخل جامعة واحدة، وبهدف واحد هو: إنجاز مشروع إسلامية المعرفة.
قضيت في ماليزيا أكثر من أسبوع، وكنت أتردد يوميا على الجامعة الإسلامية العالمية في منطقة Gombak في ولاية Selangor (20 كلم شمال كولالمبور)، والتقيت بعدد كبير من الأساتذة في الجامعة، وأغلبهم أجانب، من مختلف الدول الإسلامية. وكنت أسمع عن تاريخ الجامعة وعن إنجازاتها، وعن فلسفة تشييدها، وهي بالمناسبة بناية/ تحفة معمارية بعبق حضاري جذاب. فيها تخصصات علوم الوحي والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية وعلوم الطب والهندسات المختلفة… كما كنت أسمع عن دور الشراكة مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي في تطوير الجذر المعرفي للجامعية، وفي صياغة برامجها التربوية والعلمية، وفي تطوير مؤسسات البحث العلمي بالجامعة. وهو أمر سيلحظه كل مهتم بمؤسسات الفكر الإسلامي المعاصر، وكل متابع لإنجازات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. وهو مؤسسة أزعم أني ممن احتكوا بمؤسسيها، وبمديريها، وبقادتها الفكريين، ومن المطلعين على إنجازها الفكري في البحث والنشر، ومن المشاركين في مؤتمراتها داخل المغرب وخارجه. ولكن الذي أثار انتباهي أن لا أحد يذكر معهد الفكر الإسلامي والحضارة، ولا أحد يتكلم عن فيلسوف ماليزي كبير هو سيد محمد نقيب العطاس، على الأقل في اللقاءات التي حضرتها، والمداخلات التي استمعت إليها، إلا لماما.
وأهم ما اكتسبته من رحلة ماليزيا أني كنت أجهل عالما لانعرفه إلا في الخريطة وهو آسيا. وأما ماليزيا فهي اكتشاف حقيقي ودهشة لا حدود لها. ومنذ رجوعي بدأ اهتمامي بالفكر الماليزي، وبالفكر الأسيوي عموما. وزاد من شغفي به ومن الرغبة في اكتشاف مناطق جديدة من الجهل في ذهني وفي ثقافتي، أن قدر لي أن أخوض تجربة رحلة أخرى إلى الشرق، هي رحلة الحج 2003، مما كتبت عنها صفحات كثيرة سيأتي الوقت لنشرها في حينها، إذا أمد الله في العمر. قضيت في الحج أكثر من شهر كانت تجربة جديدة في الزمان والمكان والفكر والإحساس. وقدر لي أن ألتقي بعالم موسوعي عراقي هو المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مدير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ومدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ومؤلف موسوعة فلسفة الدين في ثماني مجلدات. كان يقيم حينها في طهران. قضيت معه أكثر الوقت في موسم الحج، واستفدت من خبرته الثقافية ومن شبكة علاقاته العلمية الواسعة جدا. وكان مطلعا بموسوعية مدهشة على الفكر الإسلامي في آسيا؛ في إيران، والهند، وباكستان، والأناضول. ومنه التقطت بعض المعطيات عن سيد نقيب العطاس، وأذكر أنه أشار إلى أن الفيلسوف الماليزي هو مبدع أطروحة إسلامية المعرفة، وأن رؤيته تختلف عن رؤية المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وأن أطروحته معرفية ونقدية وغير تراثية. هنا بدأ يحضر في ذهني سيد نقيب العطاس. وبدأت أسأل عن فكره وعمن يعرفه، فجاء قدر معرفي آخر، فزارني في أكادير المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد، رحمه الله، وقضى عندنا وقتا طويلا، بتيسير من صديقه محمد بن عيسى، وزير الخارجية المغربي السابق، رحمه الله. وكانت ليالي أكادير والدار البيضاء شاهدة على نقاشات علمية ممتعة مع أبي القاسم حاج حمد، مما دونت منه الكثير، سيحين وقت نشره. ومن الموضوعات التي دار حولها النقاش المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وقد قضى فيه أبو القاسم حاج حمد سنة للتفرغ العلمي لكتابة أطروحته الفكرية الجديدة بعنوان: (منهجية القرآن المعرفية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية)، سيتحفظ المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن في نشرها، وسينشرها عبد الجبار الرفاعي ضمن منشورات (مركز فلسفة الدين). وكان أبو القاسم حاج حمد صديقا لرئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي طه جابر العلواني. لكن جرأة الكتاب وقفت دونها حواجز في النشر. وقد حكى لنا حاج حمد الكثير من خبايا قصة الكتاب. ومما كان يذكره لنا في مسامراته بأكادير والدارالبيضاء الفيلسوف الماليزي محمد نقيب العطاس. وتحدث لنا عن مشروعه العلمي بتفصيل، وعن رؤيته لتجديد الفكر الإسلامي، وعن اختلافاته الواسعة مع مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ولما لاحظ حاج حمد اهتمامي بالسؤال عن الفيلسوف الماليزي نقيب العطاس، وعن مشروعه الفكري، وعن تصوره لأطروحة (إسلامية المعرفة) أخرج من حقيبته كتابه بعنوان: ( إبستمولوجية المعرفة الكونية: إسلامية المعرفة والمنهج) (أصدره حاج حمد ضمن منشورات مركز فلسفة الدين)، وقال لي اقرأ الصفحة 82، ذهبت لها رأسا وقرأت نصا لنقيب العطاس أورده حاج حمد، يقول في تقديمه حاج حمد: ” أما السببب في استبعاد العطاس فهو دمجه بين (العرفانية) ومحاولاته المنهجية (لتكييف) ما يسميه الأسلحة المعرفية الغربية (الإبستمولوجي) مع استيعابه لتطور الغرب وفلسفته”. ويضيف حاج حمد: « هكذا خرجت مسارات (الأسلمة) من يد العطاس، وبقيت شعارا بلا منهج، مما دفعه للحنق والغضب الشديدين خصوصا وقد تناول كثيرون موضوع (الأسلمة) من بعده فشوهوها وزيفوها”. وأورد حاج حمد نصا للعطاس يقول فيه: ” ومنذ ذلك الوقت توالى عقد دورات عديدة للمؤتمر العالمي للتعليم الإسلامي في مختلف العواصم الإسلامية، ولكن لم تصلني أية دعوة لحضور تلك المؤتمرات. وانتحلت أفكاري بدون إثبات أي حق لي. ومنذ عام1982م ظل بعض العلماء المتطلعين للشهرة وبعض الحركيين والجامعيين والصحفيين يتولون نشر أفكاري تلك بطرق وأساليب غير محكمة ولا مجودة، واستمر ذلك الأمر إلى يومنا هذا”. ويضيف نقيب العطاس، نقلا عما أورده أبو القاسم حاج حمد في كتابه المذكور: ” إن المسلمين لابد أن ينتبهوا إلى المنتحلين والمزيفين. والمحاكون من الجهلاء إنما يرتكبون جرما كبيرا وشرا عظيما حينما يقومون بنشر القيم الهابطة التي يفرضونها على الغافلين فرضا، لأنهم بذلك يشجعون على الرداءة، وينتحلون الأفكار الأصلية فيقدمونها للتطبيق المستعجل ساعين إلى كسب الثناء والحمد الذي لا يستحقونه، والله جل شأنه يقول: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) آل عمران188. ذلك لأن الأفكار الأصلية لا يمكن أن تطبق بشكلها الصحيح إذا عرضت بطريقة مغلوطة وسقيمة. ومن يفعل ذلك فسينقلب حمده ذما، وسيندم على ما أقدم عليه. وكذا الأعمال الفكرية الأصلية والمبتكرة إذا سرقت وعرضت بشكل غير محكم فإنها حتما ستتعرض للتشويه والضياع(…) ولا غرو فإن النتيجة الحتمة لسوء السلوك إنما تهيئ المناخ المناسب لظهور مغالين من الناس، من جهلهم رأس مال يتاجرون به بين الجماهير. ولأن قيمة الأفكار الجديدة وصحتها لا يمكن أن تتضح أو تتبلور إلا من خلال قنوات وأطر مناسبة يضعها مخترع هذه الأفكار شخصيا”.
لقد وقع إذن توتر حاد في فهم صلب أطروحة (أسلمة المعرفة) بين نموذج سيد محمد نقيب العطاس وبين نموذج المعهد العالمي للفكر الإسلامي على أرضية الجامعة الإسلامية العالمي بماليزيا. ولما كان المعهد العالمي للفكر الإسلامي هو الواجهة التي يطل منها المهتمون بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر والفلسفة الإسلامية المعاصرة في العالم العربي على المجتمع العلمي العالمي، والمجتمع العلمي في البلاد الإسلامية، وكانت ماليزيا من تلك البلاد، وكان أغلب رواد المعهد العالمي للفكر الإسلامي وقادته من جنسيات عربية، لذلك صمتوا عن هذا الخلاف المعرفي الحاد في تفسير الأطروحة، وحرمنا في العالم العربي من نقاش علمي كان سيكون مثمرا ودافعا لعجلة تجديد الفكر الإسلامي، كما صمتوا عن فيلسوف كبير هو سيد نقيب العطاس، وحرمنا من تجربته الفكرية، ومن ميراثه العلمي. وبدأت رحلة بحثي عن فكره ومازالت مستمرة.
لم أبالغ عندما وصفت سيد محمد نقيب العطاس بفيلسوف ماليزيا، وكذا عندما قلت إنه من المؤسسين الكبار للنموذج المعرفي لمشروع نهوض ماليزيا المعاصرة. فقد أكد ذلك رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم بحضوره الشخصي مع وزراء حكومته في جنازة العطاس في مسجد التقوى في منطقة كولالمبور، وقد أم المصلين ابن العطاس سيد علي توفيق العطاس، وهو من أبرز الأكاديميين في ماليزيا ومن المهتمين بتجديد الفكر والفلسفة الإسلاميين. وقد نشر أنور إبراهيم صورا لصلاة الجنازة على حسابه الرسمي على الفايس بوك. كما نشر أنور إبراهيم تعزية بالإنجليزية على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي يوم وفاة سيد نقيب العطاس، باسم حكومته وباسم الشعب الماليزي. ومما قاله في تعزيته العطاس: (لقد حزنت بشدة لوفاة الأستاذ الدكتور سيد محمد نقيب العطاس(…)كان بلا شك أحد أعظم عقول عصرنا (…) فيلسوف لم يكتف بالتساؤل عما نعرفه، بل تساءل عن الغاية من المعرفة (…) تحدى علمنة المعرفة، ووضع الأسس الفكرية لرؤية إسلامية شاملة. استمعت إليه ماليزيا، واستمع إليه العالم الإسلامي(…) بالنيابة عن حكومة وشعب ماليزيا، أتقدم بأحر التعازي إلى أسرته وإلى جميع من تتلمذوا على يديه). وأرفق رئيس الوزراء الماليزي التعزية بصورة له وهو يقبل يد سيد محمد نقيب العطاس ( الصورة رفقته).
ذكرنا سابقا أن نقيب العطاس كان سباقا إلى فكرة (إسلامية المعرفة) بمنظور اختلف عن منظور المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سواء من منظور مؤسسيه المرجعيين، وفي مقدمتهم الشهيد إسماعيل راجي الفاروقي(1921-1986) أستاذ الأديان المقارنة والعلوم الاجتماعية في Temple University، والذي اغتالته أياد آثمة ومأجورة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو من منظور القادة الفكريين أو الإداريين المتأخرين. فكلا المنظورين كان يهدف إلى (إعادة بناء المعرفة انطلاقا من الرؤية الإسلامية)، مع اختلاف في الطريقة؛ فالعطاس كان يرمي إلى عمل بحثي عميق جعل هدفه هو ( تحرير المعرفة)، و (نزع الطابع الغربي عن المعرفة) De-westernization of Knowledge، عبر نقد المفاهيم المعرفية من داخل العلوم الحديثة وليس من خارجها؛ مثل مفاهيم: الله، والحقيقة، والإنسان، والعقل، والتاريخ… للوصول إلى (نزع العلمنة عن المعرفة)Descularization of Knowledge ثم التأسيس (لإسلامية المعرفة) Islamization of Knowledge. وقد شرح العطاس هذه الفكرة في الفصل الثاني من كتابه Islam and Secularism(1993)، منشورات المعهد العالي للفكر الإسلامي والحضارة)، وقد ترجمه إلى العربية صديقنا البروفسور محمد الطاهر الميساوي (2000) ترجمة أنيقة وإبداعية، بعنوان: (مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية)، سيأتي الحديث عنه لاحقا، وعن قصة هذا الكتاب الفريد في النقد المعرفي؛ فهو في أصل جزء كبير منه (رسالة إلى المسلمين) كتبها سيد نقيب العطاس سنة1974م باللغة الملايوية. وقد ميز العطاس بين (العلماني) و(العلمنة) و(العلمانية)، وغيرها من المفاهيم. ومارس عليها نقدا فلسفيا من داخل بنيتها ومن داخل الفكر الغربي نفسه. أما تصور الأستاذ إسماعيل الفاروقي الذي اشتغل عليه المعهد العالمي للفكر الإسلامي فكان يقوم على دمج العلوم الحديثة بالدراسات الإسلامية، في صيغ اختزالية وتلفيقية كما يظهر ذلك في بعض منشورات المعهد، وإنشاء مناهج جامعية لذلك الغرض، ثم إحداث مؤسسات تكوينية وبحثية تحتضن هذه المهمة؛ لذلك تأسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة1981. فتحول مشروع إسلامية المعرفة معه إلى مؤسسة تعليمية أكثر مما هو فكرة وبناء فلسفي، وركزت منشورات المعهد وبرامجه على إعادة صياغة المناهج وإصلاحها، والتأصيل لإسلامية المعرفة في كتب التراث العربي، وأهملت إصلاح المفاهيم عبر تحليلها ونقدها. فكان منظور العطاس إذن أقرب إلى مشروع فلسفي ومعرفي ومشروع المعهد أقرب إلى مشروع مؤسساتي وتعليمي، فتفرقت السبل بين المنظورين.
لم نستفد كما ذكرنا سابقا من هذا التنوع في فهم أطروحة إسلامية المعرفة، لعدم تكافؤ في التواصل والتلقي لكلا المنظورين؛ فالعطاس كان يكتب بالإنجليزية، والملايوية (اللغة الوطنية الماليزية)، وقليلا ما ترجمت كتبه ومقالاته إلى العربية، و كان في بدايات مشروعه الفلسفي المعرفي فردا، وأما المعهد العالمي للفكر الإسلامي فكان مؤسسة تكوينية وتعليمية عالمية، وكان في الوقت ذاته دار نشر وأداة تنظيمية للفعاليات العلمية والثقافية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، وفي العالم العربي تحديدا، وكانت أغلب منشوراته باللغة العربية، وبعضها القليل بلغات أخرى خاصة الإنجليزية. كل هذه المعطيات حجبت عنا في العالم العربي التفاعل مع أطروحة نقيب العطاس. وزاد من تعميق هذه القطيعة مغادرته للجامعة الإسلامية العالمية، بسبب ضبط إيقاع مؤسسته من داخلها: المعهد العالي للفكر الإسلامي والحضارة، من خلال مجموعة من الإجراءات الإدارية الأقرب إلى العرقلة. وفي السياق ذاته سيحظر المعهد العالمي للفكر الإسلامي بثقل منظوره في الجامعة الإسلامية العالمية، وسيتعزز ذلك بتولي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، رحمه الله، إدارة الجامعة الإسلامية العالمية سنة1989. فسيبسط إذن هذا المنظور مشروعه ورؤيته من خلال برامج الجامعة الإسلامية العالمية ومقرراتها، ومن خلال انتشاره في بلدان كثيرة من العالم العربي، وسينقبض، في المقابل، مشروع نقيب العطاس في حدود ماليزيا ومحيطها المعرفي الإقليمي، في حنوب شرق آسيا، وفي نطاق الفضاء الأنجلوساكسوني الذي يكتب ويقرأ باللغة الإنجليزية، وباللغات الوطنية؛ مثل: الملايوية.
لكل هذا وجدت نفسي مضطرا لسرد قصة اكتشاف شخصية سيد نقيب العطاس في مساري البحثي. وقد وجدت في أكثر من مناسبة فكرية في المغرب وفي خارجه أن المهتمين بقضايا الفكر الإسلامي، وبقضايا إسلامية المعرفة يتهامسون في مثل هذه القضايا، ويحكون عن هذا الاختلاف والتباين في وجهات نظر حول الأطروحة، ولكن لا أحد يجهر بذلك، في إطار التنوع المثمر من داخل دائرة الفكر الإسلامي. وكدنا ننسى في الفضاء العربي وفي شمال إفريقيا فكر العطاس والفكر الإسلامي بعامة، وهو بالمناسبة غزير وعميق ودقيق، مما أنتجه (الأعاجم) بتعبير ابن خلدون، في ماليزيا وأندونيسيا والهند وفارس والأناضول… وجمدنا على الصيغة العربية للفكر الإسلامي التي تقوم قاعدتها على اللغة العربية وعلى الفقه وعلى خصوصيات البيئة العربية منذ الظهور الأول لرسالة الإسلام. ولهذا ينطبق علي، على الأقل، في هذا السياق، مع تحوير، المقولة التي يرويها أهل الحكمة والتصوف عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)؛ بمعنى أنني أغفلت سيد نقيب العطاس في حياته فلما مات انتبهت وكتبت عنه. وعذري أني كنت أحدث نفسي في مرات عديدة بالكتابة في الفكر الإسلامي الأعجمي بما فيه الفكر الماليزي، وسيكون العطاس رمزه الأول عندي، وهو ما يحصل الآن.
ازداد محمد نقيب العطاس في مدينة Bogor في أندونيسيا سنة 1931م. وينحدر من أسرة (آل العطاس) الأرستقراطية العريقة في النسب(أشراف) والعلم وفي نشر الدعوة الإسلامية في آسيا، وفي أندونيسيا وماليزيا تحديدا. تنتشر أسرة آل العطاس في آسيا، في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والهند. واشتهر منها في ماليزيا أيضا أخوه عالم الاجتماع سيد حسين العطاس وابنه سيد فريد العطاس عالم الاجتماع في جامعة سنغافورة الوطنية والمتخصص في ابن خلدون، وفي نقد المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية، وغيرهم من الأساتذة والأكاديميين والسياسيين الذين ينسلون من أسرة آل العطاس.
انتقل سيد نقيب العطاس مع أسرته إلى ماليزيا حيث حصل تعليمه الأول إلى الثانوي. وكان مولعا بالأدب الملايوي والتاريخ والدين، وبكلاسيكيات الأدب الغربي ولما يكمل دراسته الثانوية. التحق بجيش الملايو برتبة ضابط متدرب. واختير للدراسة العسكرية في كلية Officer Cadet School Eaton Hall في مدينة Cheshire في بريطانيا. وأكمل دراسته العسكرية في الأكاديمية العسكرية الملكية المرموقة في بريطانيا (1952-1955) Royal Military Academy Sandhurt ، وهي الأكاديمية التي تخرج منها العديد من قادة الجيوش في آسيا وإفريقيا، خصوصا من دول الكومنولث. وتخرج منها عدد من الملوك والضباط من دول مختلفة؛ ومن هم تشرشل Wiston Churchill.
عاد من بريطانيا، وكانت تؤهله الأصول الأرستقراطية والخلفية العلمية لأسرته، وعلاقتها بالأسرة الحاكمة في مملكة ماليزيا، وتربيته العسكرية الأكاديمية في بريطانيا، وتكوينه العلمي الإسلامي، أن يكون في مواقع متقدمة في أجهزة الدولة، لكنه رفض ورأى في نفسه باحثا ومفكرا، فغادر مهامه العسكرية إلى المهام العلمية والفكرية. وبدل أن يكون قائدا عسكريا في الجيش أصبح منظرا للنهضة الفكرية ذات الطابع الإسلامي التي عرفتها ماليزيا منذ بداية الثمانينيات إلى اليوم، بقيادة الدكتور محمد مهاتير وأنور إبراهيم.
عاد نقيب العطاس إلى ماليزيا بعد تكوينه العسكري، واستقال من الوظيفة العسكرية والإدارية لينخرط في مسار تكويني آخر. ثم بدأ دراساته الجامعية في ماليزيا وفي سنغافورة، فانكب على دراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية والفلسفة الإسلامية والغربية. كما اهتم في هذه المرحلة بالثقافة الملايوية خصوصا ما تعلق منها بالأدب والتصوف والتاريخ. وجاءته فرصة لخوض تجربة البحث الأكاديمي في الدراسات الفلسفية في جامعة McGillبكندا؛ وابتدأ رحلة علمية جديدة.
تخرج نقيب العطاس من University of Malaya في سنغافورة سنة 1959، بدرجة الباكالوريوس. وقد حصل تكوينا أكاديميا في الأدب الملايوي، واللغة الملايوية، وفي النصوص الإسلامية في الملايوي، كما تعمق في الثقافة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، مما شكل المادة الرمادية لمشروعه الفكري الذي ستبرز معالمه في عقد السبعينيات من القرن الماضي. وقد رسمت له هذه المحطة الجامعية الكثير من خطوط البحث؛ من أهمها الانفتاح على مدونة التصوف القديمة في منطقة الملايو، أفكار وأعلاما ومذاهب. كما كانت رحلاته إلى إسبانيا (الأندلس) وشمال إفريقيا فرصة له للارتواء من التراث الإسلامي في العلوم والأخلاق والعرفان. وقد كان له سابق إطلالة على متن التصوف في جنوب شرق آسيا في مكتبة الأكاديمية العسكرية في Sandhurst في بريطانيا. وانجذب إلى ميتافيزيقا التصوف منذ ذلك الوقت في خضم تكوين وتدريب عسكريين صارمين. ولكنه بقي طموحا إلى تعميق دراساته في التصوف، من خلال التقليد العلمي الحديث في الغرب. لذلك استقال من مهامه العسكرية وولى وجهه شطر البحث والفكر والفلسفة. وأتيحت له فرصة سانحة لتحقيق طموحه؛ فقد حصل على منحة بحثية من المجلس الكندي Canada Council Fellowship لمدة ثلاث سنوات لتحضير الماجستير في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة McGillفي كندا. وهو المعهد الذي أسسه المفكر الكندي ومؤرخ الأديان Wilfred Cantwell(1916-2000). اشتهر كتاباه: The Meaning and End of Religion، و Islam in Modern Historyوهو اليوم من أهم مراكز الدراسات الإسلامية في العالم الغربي التي تدرس الإسلام من داخل تجربته التاريخية والثقافية، وأقرب إلى مختبر علمي للفكر الإسلامي والدراسات الإسلامية. درس فيه كثير من المفكرين المسلمين وغيرهم من المهتمين بالدراسات الإسلامية، من خلال التقاليد الكلاسيكية الصارمة في البحث العلمي؛ فقد تخرج منه مثلا: إسماعيل راجي الفاروقي(فلسطيني-أمريكي)، وفضل الرحمن(باكستاني)، وToshihiko Izutsu(ياباني)، ووائل حلاق(فلسطيني-كندي)… وهو جيل من المفكرين سيحدث تحولات كبيرة في الدراسات الإسلامية من داخل الأكاديميا الغربية في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة ومازال.
تلقى نقيب العطاس تكوينا عاليا في معهد الدراسات الإسلامية بMcGill، يجمع بين الدراسات النصية الكلاسيكية والتقاليد المنهجية الغربية الحديثة والتحليل الأكاديمي المعاصر في دراسة الأديان والتاريخ والفكر الإسلامي والتصوف والعرفان. تتلمذ على مستشرقين كبار عرفوا بتوازنهم المنهجي والعلمي في دراسة الأديان وتراث الإسلام تحديدا من داخل تقاليد الأكاديميا الغربية؛ مثل: مؤسس المعهد Wilfred Cantwell Smith المتخصص في مقارنة الأديان، والمستشرقة الألمانية Annemarie Schimmel (1922-2003)الخبيرة في التصوف الإسلامي، والمستشرق الفرنسي Charles pellat (1914-1992) المتخصص في الأدب العربي، وفي الجاحظ والمدرسة البصرية تحديدا، والمستشرق الإسكتلندي W. Montgomery Watt المتخصص في تاريخ الإسلام والسيرة النبوية والفقه والتصوف.
ختم نقيب العطاس رحلة علمية أكاديمية إضافية(1959-1962) برسالة لنيل درجة الماجستير في جامعة McGillبعنوان: ” جوانب من فهم التصوف وتطبيقاته في مجتمع الملايو” Some Aspects of Sufism as Understood and Practised Among the Malays. وكان البحث فرصة للعطاس للتمرس على التقاليد الأكاديمية الغربية وتجريبها في دراسة المعرفة والتراث الإسلامي المحليين، من خلال تحليل نقدي ودراسة موضوعية في مفهوم (وحدة الوجود) في تجربة الفقية المالكي والصوفي نورالدين الرنيري Shah Waliullah Raniri(1600-1650) من منطقة Aceh(أتشيه) في أندونيسيا في شبه جزيرة الملايو، من أصول هندية. وكان بحث الماجستير بالفعل لبنة إضافية في مشروعه الفكري الذي سيتطور فيه مفهوم التصوف من مجرد ممارسة روحية فردية إلى ظاهرة فكرية وثقافية بامتدادات اجتماعية. كما ستتعمق دراساته حول التعليم في تجربة العلماء في شبه جزيرة الملايو من خلال حفره في ميراث الفقيه الصوفي نورالدين الرنيري الذي توجد فيه محاور كثيرة عن مناهج التربية والتعليم الإسلامي في أندونيسيا. لذلك سيحتل التعليم مركزا محوريا في المشروع الفكري لنقيب العطاس كما سنرى لاحقا، وستبدأ فكرة (إسلامية المعرفة) في التبلور. ولم يتوقف التكوين الأكاديمي لسيد نقيب العطا س عند هذا الحد، بل ستبدأ رحلة علمية جديدة لإنجاز بحث الدكتوراه؛ فعاد إلى بريطانيا باحثا أكاديميا بعد أن غادرها ضابطا عسكريا.