الملخص التنفيذي:
تبحث هذه الدراسة في التحول التاريخي لموقع الرمز اليهودي داخل المخيال المسيحي الغربي، وتقترح مقاربة تحليلية تقوم على فكرة إعادة التموضع التأويلي للرموز الحضارية. فتنطلق من فرضية مفادها أن “التحولات الكبرى في تاريخ الرموز لا تحدث فقط عبر اختفاء الرموز أو انقلاب دلالاتها، بل قد تتم عبر تغير الموقع الذي تشغله داخل الشبكة التأويلية التي تنتج معناها ضمن حضارة معينة”.
يطبّق المقال هذه الفرضية على حالة الرمز اليهودي في الغرب المسيحي، عبر مسار تاريخي طويل، يمتد من العصور المسيحية المبكرة، حتى الزمن المعاصر. ويبيّن التحليل أن صورة اليهود في أوروبا المسيحية الوسيطة قد تشكلت داخل بنية رمزية أدّت ثلاث وظائف مترابطة:
- وظيفة لاهوتية تفسر موقع اليهود داخل سردية الخلاص المسيحية.
- وظيفة اجتماعية تنظم حضورهم داخل المجتمع الأوروبي.
- وظيفة رمزية أسهمت في تعريف الهوية المسيحية في مقابل “الآخر”.
غير أن هذا التموضع لم يبق ثابتًا عبر الزمن. فمع الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بدأت عملية إعادة قراءة للنصوص الكتابية، مما نتج عنه مراجعة إدراج اليهود داخل الأفق النبوئي للتاريخ. ثم جاءت القراءات الاستعادية في إنجلترا القرن السابع عشر، لتمنح هذا الإدراج بعدًا جديدًا، قبل أن تتبلور هذه الرؤية بصورة أكثر انتظامًا في اللاهوت التدبيري في القرن التاسع عشر، حيث جرى ربط دور اليهود بمخطط تاريخي ونبوئي محدّد، وبجغرافيا معينة.
ولم يأت القرن العشرين حتى التقى هذا المسار التأويلي الطويل مع التحولات الكبرى في النظام الدولي: فقد شكّل وعد بلفور، عام 1917، لحظة التقاء، بين الخلفية الرمزية المتشكلة داخل الثقافة الأنغلوساكسونية، والحسابات الجيوسياسية للإمبراطورية البريطانية. ثم جاءت تحوّلات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما صدمة الهولوكوست وانتقال مركز القوة في الغرب إلى الولايات المتحدة، لتساهم في تثبيت التموضع الجديد للرمز اليهودي داخل النظام السياسي والثقافي الغربي.
تعمل هذه الدراسة أن تظهر أنّ هذا التموضع المعاصر لم ينتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل معقد بين عناصر دينية وثقافية وسياسية ومؤسساتية: ففي أوروبا لعبت ذاكرة الهولوكوست دورًا مركزيًا في إعادة صياغة العلاقة مع اليهودية داخل الوعي العام، بينما ارتبط الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة أيضًا بتأثير التيارات الإنجيلية والثقافة الدينية البروتستانتية. كما ساهمت مؤسسات الدولة والقانون والإعلام والجامعات في تثبيت هذا التموضع داخل المجال العام.
وفي القسم الأخير تقدم الدراسة مقاربة استشرافية مشروطة، تستكشف السيناريوهات المحتملة لتحول هذا التموضع في العقود القادمة. وتقترح ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار التموضع الحالي، أو تحوله إلى موضوع استقطاب داخل المجتمعات الغربية، أو دخوله في فضاء عالمي متعدد السرديات، مع تغيّر بنية النظام الدولي.
لتخلص الدراسة إلى أن الرموز الحضارية نادرًا ما تختفي من المخيال الثقافي للحضارات، لكنها قد تشهد تحولات متكررة في موقعها، داخل أنظمة المعنى. ومن ثم فإن فهم التحولات التاريخية الكبرى يتطلب تحليل الكيفية التي يعاد من خلالها إدراج الرموز داخل الشبكات التأويلية، التي تربط بين الدين والذاكرة والتاريخ والسياسة.
ثانيا: التصدّع والتحول التأويلي (1500-1830): من الإصلاح إلى الاستعادية الإنجليزية:
مع مطلع القرن السادس عشر بدأت البنية اللاهوتية التي استقر داخلها الرمز اليهودي في أوروبا المسيحية تتعرض لاهتزازات عميقة. فقد أدّى الإصلاح البروتستانتي إلى تقويض الاحتكار التأويلي الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية قرونًا طويلة، وفتح المجال أمام إعادة قراءة النصوص المقدسة خارج السلطة الكنسية التقليدية. ولم يكن الإصلاح مجرد تحول في بنية الكنيسة أو في توزيع السلطة الدينية داخل أوروبا، بل مثّل حدثًا أعمق أعاد تشكيل المخيال الديني الأوروبي ذاته. فبتقويضه السلطة التفسيرية للمؤسسة الكنسية، التي بدت طوال قرون بنية راسخة ومتماسكة، أتاح الإصلاح إمكانية إعادة التفكير في العلاقة بين النص الديني والتاريخ والسلطة. ويشير المؤرخ البريطاني المعاصر ديارميد ماكولوتش Diarmaid MacCulloch، وهو المتخصص في تاريخ المسيحية وتاريخ الكنيسة في أوروبا. إلى أن قدرة الإصلاح على إسقاط مؤسسة قوية وواثقة من نفسها تكشف عن القوة المستقلة للأفكار في إعادة تشكيل البنى الدينية والاجتماعية.[1] ومن هذا المنظور يمكن فهم الإصلاح بوصفه لحظة أعادت ترتيب المخيال الديني الذي تشكلت داخله أوروبا الحديثة.
في هذا السياق الجديد بدأت الأسس التي قام عليها التموضع الوسيط للرمز اليهودي، القائم على لاهوت الاستبدال، تتعرض لتوترات متزايدة. فقد أدت عودة الإصلاحيين إلى الكتاب المقدس بلغاته الأصلية، وإعلاؤهم من شأن النص التوراتي بوصفه مرجعًا مباشرًا، إلى إعادة إدخال تاريخ إسرائيل القديم في قلب النقاش الديني الأوروبي. ولم يعد هذا التاريخ يُنظر إليه بوصفه مرحلة منتهية أُغلقت بظهور المسيحية، بل بوصفه جزءًا حيًا من السردية الكتابية.
وقد أسهم الاهتمام المتزايد بالنصوص الكتابية وباللغات المرتبطة بها، ولا سيما العبرية، منذ القرن السادس عشر في إعادة إدراج التاريخ اليهودي داخل الثقافة الأوروبية. فقد أصبح الكتاب المقدس نفسه أحد المصادر الأساسية التي استمد منها الأوروبيون تصورهم عن اليهود وتاريخهم. ويلاحظ اللاهوتي جون هيلز John Hales (1584–1656)، وهو أحد علماء الكنيسة الأنغليكانية، في دراسته عن صورة اليهود في الأدب الإليزابيثي، أن كثيرًا من المعرفة التي امتلكها الكتّاب الإنجليز عن اليهود لم تأت من الاحتكاك الاجتماعي المباشر بقدر ما جاءت من القراءة الكتابية نفسها.[2] وقد أسهم هذا الحضور المتزايد للنص التوراتي في إعادة تشكيل صورة اليهود داخل المخيال الديني والثقافي لأوروبا الحديثة المبكرة.
غير أن التغير الحاسم لم يتبلور داخل الإصلاح ذاته، بل داخل التيارات الألفية والاستعادية التي ازدهرت في إنجلترا خلال القرن السابع عشر. ففي هذا المناخ بدأت الماشيحانية البروتستانتية تعيد إدراج اليهود داخل الزمن الأخروي، معتبرة أن عودتهم إلى أرضهم تمثل جزءًا من الخطة الإلهية للتاريخ. ولم يعد اليهودي يُقرأ فقط بوصفه شاهدًا على الرفض أو بقايا لاهوتية من الماضي، بل بدأ يُدرج داخل تصور جديد للتاريخ المقدس بوصفه عنصرًا فاعلًا في دراما الخلاص المستقبلية. وقد ارتبط هذا الاتجاه بما عُرف في الدراسات الحديثة باسم “الاستعادية اليهودية” Jewish Restorationism، وهي الفكرة التي رأت في عودة اليهود إلى دورهم التاريخي جزءًا من تحقق النبوءة. ويشير عالم النفس الألماني السويدي ديفيد كاتز David Katz (1884-1953) إلى أن عددًا من البروتستانت الإنجليز في القرن السابع عشر اعتقدوا أن استعادة اليهود وعودتهم تمثل مرحلة ضرورية في الخطة الإلهية للتاريخ، وأن تحولهم الديني وعودتهم كانا يُفهمان بوصفهما أحداثًا ذات دلالة نبوية تسبق الألفية الموعودة، لا مجرد قضايا سياسية معاصرة.[3] وعلى هذا الأساس بدأ الرمز اليهودي يُعاد إدراجه داخل المخيال الديني الأوروبي بوصفه علامة على المستقبل النبوئي لا مجرد أثر من الماضي.
بهذا المعنى تمثل الماشيحانية لحظة انعطاف تأويلي لا تعبيرًا عن “حب” لليهود، بل إعادة تموضع لهم داخل بنية زمنية جديدة. فقد انتقل الرمز من موقع “الآخر الداخلي المرفوض” The rejected inner other إلى موقع “العنصر الضروري في تحقيق المخطط الإلهي” The essential element in achieving the divine plan. ولم تختفِ الشيطنة القديمة تمامًا، غير أن زاوية الإدراج تغيّرت؛ إذ لم يعد اليهودي يُختزل في ماضٍ مغلق، بل أُعيد ربطه بمستقبل مفتوح داخل السردية المسيحية نفسها.
ومن هذا المنظور تمثل الفترة الممتدة من الإصلاح إلى الاستعادية الإنجليزية لحظة التصدّع الحقيقي في التموضع الوسيط للرمز اليهودي. ففي هذه المرحلة بدأت الطبقة الأخروية تتقدم داخل الشبكة التأويلية، فاتحة المجال أمام انتقال لاحق من إعادة الإدراج اللاهوتي إلى إمكانات الترجمة السياسية. وهكذا لا يظهر التحول بوصفه قطيعة فجائية، بل كتغير تدريجي في مركز الثقل التأويلي، سيعيد في المراحل اللاحقة تشكيل موقع الرمز داخل المخيال الغربي.
1. لماذا فتح الإصلاح الباب لتعدد زوايا الإدراج؟
لم يكن الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر مجرد انقسام كنسي داخل أوروبا، بل كان تحولًا عميقًا في بنية السلطة التأويلية التي نظّمت فهم النصوص المقدسة طوال القرون الوسطى. فقبل الإصلاح كانت الكنيسة الكاثوليكية تحتفظ إلى حد كبير بحق تفسير الكتاب المقدس داخل إطار لاهوتي موحد نسبيًا، وهو ما ساعد على تثبيت موضع الرموز الدينية داخل منظومة معنى مستقرة.
لقد أدّت حركة الإصلاح، التي أطلقها مارتن لوثرMartin Luther سنة 1517 بنشره الأطروحات الخمس والتسعين Ninety-five Theses في فيتنبرغ، إلى كسر الاحتكار التأويلي الذي مارسته المؤسسة الكنسية على النص الديني، وفتحت المجال أمام تعدد القراءات للنص نفسه. ولم يكن نشر هذه الأطروحات مجرد احتجاج على ممارسات الكنيسة، بل كان حدثًا رمزيًا أعلن تحولًا عميقًا في العلاقة بين المؤمن والنص المقدس. فقد تحدّى لوثر سلطة المؤسسة الكنسية في احتكار تفسير الكتاب المقدس، ودعا إلى عودة المؤمن مباشرة إلى النص، مؤكدًا أن فهمه لا يحتاج بالضرورة إلى وساطة كهنوتية. ومن هنا بدأ يتشكل داخل المسيحية الأوروبية أفق جديد لتعدد التأويلات الدينية.[4]
كان أحد المبادئ الأساسية التي رفعها الإصلاحيون هو مبدأ “الكتاب وحده” Sola Scriptura، الذي اعتبر أن النص المقدس هو المرجع الأعلى للإيمان، وليس تقاليد الكنيسة أو سلطتها المؤسسية. وقد شجّعت حركة الإصلاح البروتستانتي العودة المباشرة إلى الكتاب المقدس وقراءته في لغاته الأصلية، وهو ما أسهم في انتشار دراسة العبرية والنصوص التوراتية في الأوساط البروتستانتية.
ويلاحظ المؤرخ هيكو أوبرمان Heiko A. Oberman (1930-2001) أن إصرار المصلحين على مبدأ “العودة إلى المصادر” ad fontes، أي ، قاد إلى تجديد دراسة الكتاب المقدس في لغاته الأصلية؛ إذ «زُرعت العبرية واليونانية بكثافة غير مسبوقة، واستعاد العهد القديم مكانة مركزية في التأمل اللاهوتي داخل العالم البروتستانتي.[5] وقد ساهم هذا التحول في إعادة إدخال تاريخ إسرائيل القديم إلى مركز النقاش الديني الأوروبي، بعد أن كان مؤطرًا سابقًا داخل تفسير كنسي أكثر استقرارًا.
غير أن الأثر الأعمق للإصلاح لم يكن فقط في إعادة قراءة النصوص، بل في تعدد مراكز التأويل داخل أوروبا: فمع ظهور كنائس وتيارات بروتستانتية مختلفة – لوثرية Lutheran وكالفينية Calvinist وأنابابتستية Anabaptist وغيرها – لم يعد هناك إطار واحد يحدد معنى النصوص أو موقع الرموز الدينية داخل التاريخ. وكان تفكك الوحدة التأويلية للكنيسة الغربية أحد أبرز التحولات التي مهّدت للإصلاح الديني وأطلقت لاحقًا تعددية فكرية ودينية داخل أوروبا.
ومع ذلك لم يكن هذا التحول وليد الإصلاح وحده؛ إذ ظهرت بوادره قبل ذلك بوقت طويل. فقد بدأت سلطة التفسير الكنسي تواجه تحديات متزايدة مع انتشار قراءات بديلة للنصوص الدينية في أواخر العصور الوسطى. ويشير المؤرخ البريطاني هربرت وركمان Herbert B. Workman (1862–1951)، المختص في الكنيسة المسيحية، في دراسته عن بدايات الإصلاح إلى أن أفكار جون ويكليف انتشرت على نطاق واسع في أوروبا الوسطى، وأن مؤلفات “المعلم الإنجيلي” The Evangelical Teacher أسهمت في فتح أعين المصلح الديني البوهيمي التشيكي يان هوس Jan Hus (1372–1415)، وأتباعه على قراءات جديدة للنصوص الدينية. وقد لاحظ معاصرو تلك المرحلة أن أتباع هذه الأفكار أخذوا ينتشرون في مختلف البيئات الاجتماعية، من بلاطات الأمراء إلى مدارس الطلاب وأديرة الرهبان.[6] ويعكس هذا الانتشار المبكر بداية تآكل الاحتكار التأويلي الذي مارسته الكنيسة الغربية قرونًا طويلة، وهو التآكل الذي سيفتح الباب لاحقًا أمام تعددية دينية وفكرية غير مسبوقة في أوروبا.
في هذا السياق أصبح من الممكن إدراج الرمز اليهودي داخل زوايا تفسيرية مختلفة. فبينما ظل في بعض الخطابات امتدادًا للصورة اللاهوتية الوسيطة، بدأ في خطابات أخرى يُقرأ داخل أفق تاريخي أو نبوي جديد. وبعبارة أخرى، فإن الإصلاح لم يغيّر مباشرة موقع الرمز اليهودي، لكنه غيّر الشروط التي تحدد موقعه داخل النظام التأويلي الأوروبي. ومن هنا فتح الباب أمام المرحلة التالية من التحول، حيث ستظهر قراءات جديدة للتاريخ الكتابي، خصوصًا في إنجلترا في القرن السابع عشر، ستعيد إدراج اليهود داخل سردية مختلفة عن تلك التي استقرت في أوروبا الوسيطة.
2. برايتمن بوصفه “تحول زاوية” لا “انعطاف حب”: إدخال اليهود في الزمن النبوئي:
عندما ظهرت في إنجلترا مطلع القرن السابع عشر قراءات نبوية جديدة للنصوص الكتابية، لم يكن ذلك تعبيرًا عن تحوّل عاطفي مفاجئ في الموقف من اليهود، بل كان قبل كل شيء إعادة ترتيب لموضعهم داخل السردية المسيحية للتاريخ. ففي هذا المناخ الماشيحاني المتصاعد، لم يعد الزمن يُقرأ بوصفه خطًا مغلقًا اكتمل بالعهد الجديد، بل بوصفه مسارًا مفتوحًا يتجه نحو ذروة أخروية لم تتحقق بعد. ومن أبرز من عبّر عن هذا التحول اللاهوتي توماس برايتمن Thomas Brightman (1562-1607)، وهو أحد اللاهوتيين البروتستانت الذين أعادوا قراءة سفر الرؤيا والنبوات التوراتية في ضوء أفق تاريخي مستقبلي: ففي كتابه: “القيامة نهاية العالم” Apocalypsis Apocalypseos الذي نُشر بعد وفاته سنة 1609، قدّم برايتمن تفسيرًا، يرى أن التاريخ المسيحي يسير نحو مرحلة، ستشهد استعادة إسرائيل لموقع داخل خطة العناية الإلهية. ولم يكن هذا الطرح إعادة اعتبار لليهودية بوصفها دينًا قائمًا بذاته، بل لقد أدى هذا التحول التأويلي إلى إعادة إدراج اليهود داخل ما يمكن تسميته “الزمن النبوئي” Prophetic Time الذي تخيلته البروتستانتية الإنجليزية؛ إذ انتقل الرمز من كونه شاهدًا على انقضاء العهد القديم إلى كونه علامة على اكتمال دراما الخلاص في المستقبل. ففي بعض الكتابات البروتستانتية المبكرة بدأ التأكيد على أن وعود الله لليهود لم تنتهِ مع التاريخ القديم، بل «ما تزال باقية في قوتها»، وأن زمن الأمم سينقضي، ثم «سيعود اليهود أيضًا بعد اكتمال ذلك الزمن إلى الإيمان»، وهو ما رسّخ لدى القراء البروتستانت فكرة أن «هناك مستقبلًا للشعب اليهودي وأنهم سيلعبون دورًا في دراما الله في نهاية التاريخ.[7]
هنا يتجلى التحول التأويلي الذي يعنينا. فبرايتمن لم يبدّل جوهر التصور اللاهوتي التقليدي تجاه اليهود، بل غيّر الزاوية الزمنية التي أُدرجوا فيها. فالماشيحانية الماشيحانية التي تبناها هذا الاتجاه لم تُلغِ البنية اللاهوتية القديمة، لكنها أضافت طبقة جديدة أعادت توزيع مركز الثقل داخل السردية الدينية: فلم يعد اليهودي مجرد بقايا ماضٍ ديني منتهٍ، بل أصبح عنصرًا في مستقبل لم يتحقق بعد. وقد لاحظ مؤرخو الفكر الديني أن هذا التحول كان جزءًا من موجة أوسع داخل البروتستانتية الإنجليزية أعادت النظر في موقع إسرائيل داخل خطة التاريخ الإلهي؛ إذ يشير المؤرخ الأمريكي المعاصر جيريمي كوهين Jeremy Cohen إلى أن بعض المنظرين المسيحيين للأخرويات «أعطوا اليهود دورًا رياديًا في دراما الخلاص، غالبًا في نهاية الأيام، وربما أيضًا في مراحل أخرى من تاريخ الخلاص.[8]
من هذا المنظور لا يمكن وصف ما جرى بأنه انتقال من العداء إلى التعاطف، بل هو انتقال من قراءة استبدالية مغلقة إلى قراءة مَشيحانية مفتوحة. لقد دخل اليهود السردية المسيحية من باب النبوءة لا من باب المصالحة؛ ومن باب الزمن الأخروي لا من باب الاعتراف المتبادل. وبذلك بدأ التموضع الوسيط للرمز اليهودي يتعرض لأول إعادة إدراج جادة داخل المخيال البروتستانتي، وهي إعادة إدراج ستتعمق لاحقًا وتتحول من تصور لاهوتي إلى أفق ثقافي أوسع، ممهدةً الطريق لتحولات أكثر رسوخًا في موقع هذا الرمز داخل الفكر الغربي الحديث.
3. إنجلترا: من المخيال اللاهوتي إلى المزاج السياسي: تحالف البيوريتان والألفية والاستعادية:
مع النصف الأول من القرن السابع عشر بدأت القراءة النبوئية التي ظهرت في الفكر البروتستانتي الإنجليزي تتجاوز إطارها اللاهوتي الضيق لتدخل تدريجيًا في المجال السياسي والثقافي الأوسع. ففي إنجلترا لم تبقِ فكرة إدراج اليهود في الزمن النبوئي مجرد موضوع للتفسير الكتابي، بل أصبحت جزءًا من المزاج الديني والسياسي الذي تشكّل داخل الحركة البيوريتانية (التطهيرية) Puritanism خلال مرحلة الاضطرابات الدينية والسياسية التي سبقت الحرب الأهلية الإنجليزية.
كان البيوريتان ينظرون إلى التاريخ من منظور ألفي Millenarian، أي الاعتقاد بأن العالم يتجه نحو مرحلة قريبة من تحقق النبوءات الكبرى المرتبطة بنهاية التاريخ المسيحي. وقد جعل هذا الإطار الزمني قراءة العهد القديم وسفر الرؤيا جزءًا أساسيًا من الثقافة الدينية والسياسية في إنجلترا القرن السابع عشر. في هذا السياق بدأ بعض اللاهوتيين والمفكرين البروتستانت يرون أن عودة اليهود إلى التاريخ، بل وربما إلى أرضهم، تشكل جزءًا من الخطة الإلهية التي تسبق تحقق الملكوت الألفي. فقد كان يُنظر إلى استعادة إسرائيل لموقعها التاريخي بوصفها مرحلة تمهيدية في دراما الخلاص. ويشير المؤرخ الكندي المعاصر دونالد لويس Donald M. Lewis إلى أن «استعادة اليهود لأرضهم كانت تُعدّ لدى كثير من الكتّاب البروتستانت في القرن السابع عشر حدثًا يسبق الألفية؛ إذ كان يُتوقع أن يحدث اهتداء إسرائيل واستعادتها قبل حكم المسيح الألفي.[9]
ومع اندلاع الحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651) وصعود التيارات البيوريتانية إلى مركز السلطة، اكتسبت هذه الأفكار حضورًا أوسع داخل النقاش العام. فقد أصبح الحديث عن دور اليهود في التاريخ الإلهي جزءًا من الثقافة السياسية الجديدة التي رأت في إنجلترا نفسها أمة ذات رسالة دينية داخل التاريخ. وفي هذه الأجواء، برزت دعوات لإعادة السماح لليهود، بالعيش في إنجلترا، بعد قرون من طردهم منذ قرار الملك إدوارد الأول عام 1290.
بلغ هذا المسار لحظة رمزية مهمة في عهد القائد العسكري والسياسي الإنجليزي أوليفر كرومويل Oliver Cromwell (1599-1658)، حيث فتحت السياسة التي تبناها قد فتحت الطريق فعليًا لإعادة توطين اليهود في البلاد؛ إذ يذكر المؤرخ الصهيوني دايفد كاتز David S. Katz أن الحاخام الهولندي مناشيه بن إسرائيل Menasseh ben Israel قد «وصل إلى لندن في ديسمبر 1655 ليعرض التماسه على كرومويل ومجلس الدولة بشأن إعادة قبول اليهود في إنجلترا، ورغم أن مؤتمر وايتهول لم يصدر إعلانًا رسميًا، فإن سياسة كرومويل سمحت عمليًا بإعادة استقرار اليهود في البلاد» .[10] وقد رأى بعض المفكرين البيوريتان في هذه الخطوة جزءًا من المسار النبوئي الذي سيقود في النهاية إلى تحقق النبوءات المتعلقة بإسرائيل.
تكشف هذه اللحظة التاريخية انتقالًا مهمًا في مسار الرمز اليهودي داخل المخيال الغربي؛ فالفكرة التي ظهرت أولًا داخل التفسير اللاهوتي للنبوءات بدأت تتحول تدريجيًا إلى عنصر داخل النقاش السياسي والثقافي. ولم يكن الأمر تعبيرًا عن تعاطف بسيط مع اليهود بقدر ما كان انعكاسًا لتحول أعمق في الطريقة التي فهمت بها إنجلترا دورها داخل التاريخ الديني. وبذلك بدأ الرمز اليهودي يتحرك من موقعه داخل الجدل اللاهوتي إلى موقع جديد يتقاطع فيه الدين والسياسة والتصورات التاريخية للمستقبل.
4. ما الذي بقي من العداء ؟: التعايش بين صورتين داخل المخيال نفسه:
مع التحولات التي عرفها الفكر البروتستانتي في القرن السابع عشر، قد يبدو للوهلة الأولى أن صورة اليهود داخل المخيال الأوروبي قد انتقلت مباشرة من العداء إلى التعاطف. غير أن قراءة أدق للمصادر التاريخية، تكشف أن الأمر لم يكن انتقالًا سلسا بين موقفين متناقضين، بل مثّلث فترة نشوء لحالة مركبة، تعايشت فيها صورتان مختلفتان داخل الإطار الثقافي نفسه: فبينما بدأت بعض التيارات البروتستانتية، خصوصًا داخل إنجلترا البيوريتانية، تنظر إلى اليهود بوصفهم جزءًا من الزمن النبوئي القادم، استمرت في الوقت نفسه عناصر قوية من الصورة السلبية الموروثة من القرون الوسطى.
تظهر هذه الازدواجية بوضوح، في كتابات عدد من مفكري تلك المرحلة: إذ يشير المؤرخ الهولندي الأمريكي هيكو أوبرمانHeiko A. Oberman (1930-2001) إلى أن موقف لوثر قد تغيّر جذريًا، عندما أدرك أن اليهود لا يستجيبون للدعوة التي كان يبشّر بها، فـ«اشتد موقفه بصورة كبيرة، وفي كتاباته المتأخرة، ولا سيما “عن اليهود وأكاذيبهم”On the Jews and Their Lies (1543)، عبّر عن عداء شديد لليهود، ودعا إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضدهم.[11] وقد ظل هذا النص جزءًا من التراث اللاهوتي البروتستانتي، الذي تداولته بعض الأوساط الأوروبية في الأزمنة اللاحقة.
وفي إنجلترا نفسها، حيث ظهرت الأفكار الاستعادية، لم تختفِ الشكوك الشعبية أو الصور النمطية القديمة: فقد ظل اليهود في المخيال الاجتماعي الأوروبي مرتبطين بعدد من السرديات الموروثة، حتى في الوقت الذي بدأ بعض اللاهوتيين والمفكرين يعيدون إدراجهم داخل قراءة نبوئية للتاريخ.
ويشير المؤرخ الصهيوني ديفيد س. كاتز David S. Katz إلى أن ما يُسمّى أحيانًا بـ”الفيلو-سامية البروتستانتية” Protestant Philosemitic لم يكن في كثير من الحالات تعبيرًا عن قبول اجتماعي كامل لليهود داخل المجتمع المسيحي، بل ارتبط غالبًا بتصورات لاهوتية، تتعلق بدورهم في أحداث نهاية التاريخ. فقد بيّن ديفيد كاتز أن التعاطف الذي أبداه بعض البروتستانت الإنجليز، في القرن السابع عشر، تجاه اليهود، لم يكن بالضرورة قائمًا على الاعتراف بهم، بوصفهم جماعة متساوية داخل المجتمع، بل كان يستند في الغالب إلى توقعات ميلينارية (ألفية) ترى أن «تحوّل اليهود وعودتهم يشكّلان عنصرًا أساسيًا في تحقيق النبوءات الكتابية وأحداث الأيام الأخيرة».[12]
ومن هنا يمكن القول، إن التحول الذي عرفه القرن السابع عشر لم يلغِ الصورة القديمة، بقدر ما أضاف إليها طبقة جديدة من المعنى، فقد أصبح اليهود، في بعض الخطابات، يحملون دلالة مستقبلية داخل النبوءة، بينما ظلوا، في خطابات أخرى، مرتبطين بالميراث السلبي السابق. وهذا التعايش بين صورتين متعارضتين هو ما يمنح هذه المرحلة أهميتها التحليلية، لأنه يكشف أن التحول لم يكن استبدالًا مباشرًا لرمز بآخر، بل إعادة ترتيب تدريجية، لموقع الرمز، داخل شبكة معقدة من التصورات الدينية والثقافية.
ومن منظور هذا المقال، تمثّل هذه الحالة المركبة لحظة مفصلية في مسار إعادة التموضع التأويلي؛ ففيها يبدأ الرمز اليهودي بالتحرك داخل المخيال الغربي، بين موقعين مختلفين: موقع تقليدي تشكّل عبر قرون من اللاهوت الوسيط، وموقع جديد بدأ يتشكّل داخل الرؤية النبوئية للبروتستانتية الإنجليزية. هذا التوتر هو الذي سيفتح المجال لاحقًا لتحوّلات أوسع في القرون التالية، عندما تنتقل هذه القراءة من المجال اللاهوتي، إلى المجال السياسي والثقافي الأوسع في أوروبا الحديثة.
- خلاصة التصدّع والتحول التأويلي:
يتّضح من المسار الذي جرى تتبّعه في هذا القسم، أن التحول الذي أصاب موقع الرمز اليهودي داخل المخيال الأوروبي لم يبدأ بوصفه تغييرًا سياسيًا أو اجتماعيًا مباشرًا، بل بوصفه تصدعًا في البنية التأويلية التي كانت تنظّم إدراجه داخل النظام المسيحي الوسيط: فقد فتح الإصلاح البروتستانتي المجال لتعدّد زوايا قراءة النص والتاريخ، وهو ما أدّى تدريجيًا إلى إدخال عناصر جديدة، في فهم العلاقة بين المسيحية وتاريخ إسرائيل. ومع ظهور القراءات النبوئية في إنجلترا القرن السابع عشر، كما في أعمال اللاهوتي الإنجليزي البيوريتاني توماس برايتمن Thomas Brightman (1562-1607)، وبعض اللاهوتيين البيوريتان الآخرين، لم يعد اليهود يُقرأون فقط باعتبارهم بقايا من الماضي الديني، بل أصبحوا جزءًا من تصوّر مستقبلي لمسار التاريخ.
غير أن هذه اللحظة ،لم تمثل انقلابًا كاملاً في صورة اليهود داخل أوروبا: فالمخيال الذي تشكّل عبر قرون لم يتبدّل دفعة واحدة، بل ظلّ يحمل في داخله توترًا بين صورتين: صورة موروثة من البنية اللاهوتية الوسيطة، وصورة جديدة بدأت تتشكل داخل القراءة النبوئية للتاريخ. ومن هنا فإن ما شهدته إنجلترا في القرن السابع عشر لا يمكن وصفه باعتباره انتقالًا من العداء إلى التعاطف، بل بوصفه تحولًا في زاوية الإدراج التأويلي التي بدأ من خلالها الرمز اليهودي يتحرك داخل نظام المعنى الأوروبي.
تكمن أهمية هذه المرحلة، في أنها نقلت النقاش، من مستوى اللاهوت المغلق، إلى فضاء أوسع، تتقاطع فيه التأويلات الدينية، مع التحولات السياسية والفكرية التي عرفتها أوروبا الحديثة: ففي اللحظة التي بدأ فيها إدراج اليهود داخل تصور مستقبلي للتاريخ، أصبح من الممكن أن يتحوّل هذا الإدراج لاحقًا، إلى مواقف عملية داخل المجال السياسي. وهنا تحديدًا يبدأ المسار الذي سيتطور في القرون اللاحقة، حين تنتقل هذه القراءة، من المجال الديني الإنجليزي إلى المجال الغربي الأوسع، لتعيد تشكيل موقع الرمز اليهودي داخل شبكة المعاني التي ستؤثر لاحقًا في السياسة الأوروبية والعالمية.
الهوامش:
[1] Diarmaid MacCulloch, All Things Made New: The Reformation and Its Legacy (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 3.
[2] John W. Hales, “Shakespeare and the Jews,” The English Historical Review, Vol. 9, No. 36 (Oxford: Oxford University Press, 1894), p. 657.
[3] David S. Katz, Philo-Semitism and the Readmission of the Jews to England (Oxford: Oxford University Press, 1982), p. 24.
[4] Peter L. Berger & Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (New York: Anchor Books, 1966), p. 37.
[5] Heiko A. Oberman, The Dawn of the Reformation: Essays in Late Medieval and Early Reformation Thought (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), p. 285.
[6] Herbert B. Workman, The Dawn of the Reformation: The Age of Hus (London: Charles H. Kelly, 1902), p. 124.
[7] Gerald R. McDermott (ed.), The New Christian Zionism: Fresh Perspectives on Israel and the Land (Downers Grove: IVP Academic, 2016), p. 44.
[8] Jeremy Cohen, The Salvation of Israel: Jews in Christian Eschatology from Paul to the Puritans (Ithaca: Cornell University Press, 2022), pp. 200–201.
[9] Donald M. Lewis, The Origins of Christian Zionism: Lord Shaftesbury and Evangelical Support for a Jewish Homeland (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 16.
[10] Katz, Philo-Semitism and the Readmission of the Jews to England, p. 107.
[11] Heiko A. Oberman, Luther: Man Between God and the Devil (New Haven – London: Yale University Press, 1989), p. 276.
[12] Katz, Philo-Semitism and the Readmission of the Jews to England, p. 9.






