يسعى الباحث المغربي سلمان بونعمان في كتابه الجديد “النهضة اليابانية- دراسة في تجربة المصالحة بين الهوية والحداثة” إلى تطوير نموذج تفسيري للتجربة اليابانية من منظور حضاري أوسع، ورؤية فكرية أكثر نضجا وتماسكا.
ويحدد الكتاب، الواقع في جزأين (700 صفحة) والصادر عن “عقول الثقافة” بشراكة مع مركز معارف المستقبل للبحوث والدراسات، بؤرة الدراسة في النهضة اليابانية الأولى قبل عهد الميجي، حيث يركز على البحث في جذورها العميقة، متجاوزا النمط الغالب على أدبيات النهضة العربية وبعض الدراسات الغربية، التي اقتصر اشتغالها على عصر “الميجي” منفصلا عن تراكمه الفكري والحضاري في مرحلة “توكوغاوا”.
ويقارب المؤلف مسألة المصالحة بين الهوية والحداثة، بوصفها “المدخل الأمثل للتفكير في النهضة اليابانية”. واتجه بذلك إلى التنقيب في الجذور العميقة والتراكمات الطويلة للنهوض الياباني الحديث (الميجي) والمعاصر (ما بعد 1945)، سعيا لفهم سيرورة تشكل النهضة التوكوغاوية المبكرة منذ القرن السادس عشر، وبذور الحداثة اليابانية الجنينية منذ القرن الثامن عشر.
وتوجه البحث إلى استكشاف السياق السياسي والتاريخي والحضاري الذي انبعثت فيه التجربة اليابانية، وإلى رصد مقومات النهوض وآلياته وتفاعلاته الداخلية والخارجية، مع تتبع الصيغ الفكرية والسياسية والدينية التي تدب رت بها التوترات والأزمات داخل المجتمع الياباني قبل 1868، والتي مكنته من تحقيق الاستقرار والتراكم والانضباط، وتعزيز قيم الاجتهاد والعمل واحترام الآخر وتقدير الإبداع.
وكانت أطروحة الكتاب الكبرى حسب المؤلف “أن تتبع المسارات البطيئة المعقدة، والتراكمات الهادئة الممتدة بين 1603 و1868، لتكشف عن حضور الهوية المحلية في بناء النهضة وصناعة الحضارة وتشييد الحداثة، حضورا يربطها بجذورها وفي الوقت نفسه يفتحها على غيرها، فيقيها الانغلاق على الذات والاستلاب أمام الآخر معا”.
وهو يرى أن التجربة اليابانية تستحق الدراسة بأدوات التحليل الحضاري الهادئ، الذي يكشف الآليات قبل أن يصدر الأحكام، ويستخلص الع بر التاريخية في توازن دقيق بين تعر ف الخصائص الفريدة لكل تجربة، والإفادة من قوانينها العامة دون استنساخ شكلي لمسارها. وعندئذ تتحول قصة النجاح اليابانية إلى نموذج قابل للتفهم، منفتح على المساءلة، ملهم للتجارب الحضارية الأخرى التي تبحث عن طريقها الخاص في النهضة.
يتناول الكتاب في فصله الأول النظام السياسي والاجتماعي في عصر توكوغاوا، باعتباره الأرضية المؤسسية التي قامت عليها التجربة برمتها، ثم يتجه الفصل الثاني إلى مسألة العزلة وتدبير العلاقة بالعالم، فيكشف عن طبيعة “العزلة الذكية” التي حفظت سيادة اليابان دون أن تقطعها عن العالم. وينتقل الفصل الثالث إلى التراكمات المادية والاقتصادية التي هيأت الأرضية الاقتصادية للنهضة، بينما يعنى الفصل الرابع بتوطين المعرفة عبر الكتاب والترجمة والتجار المفكرين.
ويتجه الفصل الخامس إلى التعليم وبناء الإنسان بوصفه القاعدة البشرية لأي نهضة ممكنة. وفي الفصل السادس، تتسع دائرة النظر لتشمل النهضة الثقافية والفنية والجمالية، حيث تتولد لغة رمزية يابانية مكتفية بذاتها، ثم يأتي الفصل السابع ليكشف عن الأساس الروحي والأخلاقي للتجربة، من خلال دراسة المنظومة الدينية اليابانية التي صاغت أخلاق النهوض من داخل تربتها الخاصة. ويتو ج الفصل الثامن هذا البناء بالنموذج التفسيري الحضاري للنهضة اليابانية، الذي يفتح أفق الإفادة منه في قراءة سؤال الحداثة العربية.
ويأتي الكتاب استمرارا لمركزية السؤال النهضوي في انشغالات الباحث سلمان بونعمان، الذي سبق له أن قارب الموضوع في كتابه “التجربة اليابانية: دراسة في أسس النموذج النهضوي” (2012).
كما صدرت للمؤلف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومدير مركز معارف للأبحاث والدراسات، مجموعة كتب من أهمها “أسئلة دولة الربيع العربي: نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة” (2013)، و”النهضة اللغوية وخطاب التلهيج الفرنكفوني” ((2014)، و”أسئلة المنهج في العلوم الاجتماعية والإنسانية” (كتاب جماعي، 2015)، و”الطائفية وتفكيك الأمة” (كتاب جماعي، 2016).
و م ع






