هذا مقال عن النظم النبوي وعلاقته بالدلالة والتركيب وتشريع الأحكام، قصدت به إثارة انتباه الباحثين للتعمق في هذا الموضوع وإخضاعه لدراسات علمية وأكاديمية .
فالتقديم والتأخير في هذا النظم ، والحذف والإضمار ، وتنويع الأساليب التعبيرية ، والتعريف والتنكير، والإفراد والجمع ، وغير هذا من صور التركيب الدلالي في النظم النبوي يؤثر في الاستنباط وتشريع الأحكام ، ولذلك ينبغي لتحقيق المصداقية والعمق في التشريع انطلاقا من النصوص الحديثية إتقان فلسفة التركيب في هذا النظم .
- مدخل :
ماذا أقصد بالنظم النبوي ؟
أقصد بالنظم النبوي بنية النصوص الحديثية التي انتظمت فيها مفاصل الخطاب النبوي وأدواته بعلاقات تشابكية منسجمة انسجاما تركيبيا ودلاليا وتداوليا بلغ حد الإعجاز في الدقة والروعة والبيان .
وقد أجمع علماء البلاغة واللغة العربية وفلاسفة الإسلام على أن النظم النبوي ظاهرة إعجازية وإن لم تبلغ درجة إعجاز القرآن .
قال الجاحظ :” لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ، ولا أقصد لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح معنى ، ولا أبين في فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم .” ( البيان والتبيين 2 / 44 )
وقال العز بن عبد السلام :” ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه بعث بجوامع الكلم ، واختصر له الحديث اختصارا ، وفاق العرب في فصاحته وبلاغته .” ٢ ( منية السول ، 35 )
وما خالف أحد من علماء العربية والبلاغة والكلام الجاحظ والعز بن عبد السلام في هذه المسألة ، وبذلك يكون الاستشهاد بنصيهما انتقاءيا وإلا فالنصوص المؤكدة كثيرة جدا في اللغات الواصفة لهذا النظم .
ومن سمات الخطاب النبوي من خلال النصين ما يلي :
– أ / حسن الإيجاز :
وهو ما فضل فيه المعنى عن اللفظ ، ويسميه البلاغيون مفاضلة .
– ب / الإبلاغ الكامل وحسن الإفهام :
لأن نوعية الكلمات والتراكيب التي يستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم تؤدي أهدافها التبليغية أداء تاما ، مع أن خطاباته غير معدة ، ومن سمات الخطابات غير المعدة البساطة والسطحية والتفكك ، وهذا من معجزاته البيانيه صلى الله عليه وسلم .
– ج / إصابة المعنى بدقة ويسر دون إغراق في التكلف والتقعر وتوظيف المهجور والغريب …
وهذه السمات بعضها يتعلق بالشكل ، وأعني به بنية الكلام النبوي وصورته وصياغته، وبعضها يتعلق بالمحتوى.
فالكلام النبوي ليس صناعة لفظية تنحصر روعتها في البناء الحسن وجودة التأليف في الأصوات والنغمات والأوزان على غرار الكلام الشعري والنثر الفني ، بل هو كلام جمع بين براعة الشكل وسمو المعنى وصدق المحتوى ، وهذا طبيعي لأن وظيفة الخطاب النبوي ليست شعرية ، جمالية ، إمتاعية فقط ، ولكنها تبليغية ، تعليمية ، إرشادية ، إصلاحية، تسعى إلى تحقيق أهداف كثيرة يجتمع فيها ما هو عقدي بما هو تشريعي بما هو أخلاقي بما هو تربوي.
- مصادر النظم النبوي :
ذهب أكثر العلماء إلى أن النظم النبوي مستمد من مصدرين ، أحدهما عرقي والآخر جغرافي .
١ / المصدر العرقي للنظم النبوي .
وهو كون الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش .
وقد أجمع العلماء بكلام العرب والرواة لأشعارهم على أن لهجة قريش هي أفصح لهجات العرب ، ارتفعت عن عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وكسكسة هوازن وتضجع قيس وعجرفية ضبة وتلتلتة بهراء ” ٢ ” .
وهي اللهجة التي جعلتها عوامل صوتية وتركيبية مضافة إلى عوامل سياسية ودينية واقتصادية اللغة العربية الفصحى التي سادت شبه شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام .
وتأسيسا على هذا ، فإن النسبة العرقية إلى قريش تظمن حدا من النظم السامي والفصاحة الرائعة مع تفاضلات تقتضيها عوامل أخرى .
٢ / المصدر الجغرافي .
وهو نشأته صلى الله عليه وسلم في قبيلة بني سعد .
قال الرافعي:” وأفصح القبائل الذين هم مادة اللغة العربية فيما نص عليه الرواة ، قيس وتميم وأسد والعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن ، وهم خمسة قبائل أو أربع منها سعد بن بكر ، وذلك لقول رسول الله :
أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ، وأني نشأت في بني سعد ” .” ٣ “
وبنو سعد هؤلاء من العرب الضاربة حول مكة ، وكان أطفال قريش يرحلون إليهم لصقل الموهبة الكلامية .
قال محمد سعيد العريان :
” ولا يزال كبراء مكة إلى اليوم يرسلون أحداثهم إلى أماكن هذه القبائل من البادية ، وخاصة إلى قبيلة عدوان في شرق الطائف وهي قريبة من بني سعد ، وإنما يطلبون بذلك إحكام اللهجة العربية وصحة النشأة ” ٤
لكن هذا التحديد المصدري للغة النبوية السامية ناقص من الوجهة المنطقية، إذ يقتضي أن يكون كل قريشي نشأ في بني سعد مساويا للرسول في فصاحته وبلاغة نظمه ، وهذا لم يكن بشهادة الواقع التاريخي ، ما يجعل البحث عن عامل آخر مؤثر أمرا ضروريا على طريقة الاختلاف المعروفة في المنطق الرياضي ، وتقتضي وجود حالتين أو أكثر متشابهة تماما في كل الظروف بإستثناء جانب واحد يقع فيه الاختلاف .
فإذا لاحظنا أن ” ق ” و ” س ” و” ج ” تعقبها ضرورة ” م ” ، وإذا لم تكن
” ج ” لا تعقبها ” م ” نستنتج أن علة
” م ” هي ” ج ” .
ولنقل أن القرشية والنشأة في بني سعد تعقبهما فقط فصاحة محدودة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فصاحته سامية ، نستنتج أن هناك عاملا آخر غير القرشية والنشأة في بني سعد وراء هذه الفصاحة ، وهذا العامل هو ” النبوة ” .
وقد اشترك الرسول مع حمزة في القرشية والنشأة في بني سعد ، لكن فصاحة حمزة لم تصل إلى فصاحة الرسول ، والفرق الفاصل بينهما هو
” النبوة ” .فبلاغته إذن هبة ربانية مقذوفة في القلب بنور النبوة .
وقد ذهب إلى هذا عدد من العلماء القدماء والمحدثين. قال الرافعي :
” ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له صلى الله عليه وسلم إلا توفيقا من الله وتوقيفا “
نخلص مما تقدم إلى أن الفصاحة النبوية في مجملها لدنية، ونظمه من وحي آخر يرد مطابقا لمقتضيات الأحوال دون صناعة ولا تكلف ، فكلامه السامي خرازات منظومة على نسق سحري عجيب ، خال من كل عيوب القلق والاستكراه والاضطراب ، وهو بهذا فوق كل نظم مهما سما سوى القرآن .
- العلماء والنظم النبوي :
الكلام النبوي بالنسبة لغير الصحابة عموما يرتكز في نقله وروايته على سند .
والمقصود بالسند سلسلة الرواة الذين نقلوا المتن ، فأصبح كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك مكونا من شقين :
سند ومتن .
قال السيوطي في ألفيته :
علم الحديث ذو قوانين تحد يدرى بها أحوال متن وسند
ونقل بسند صحيح عن عبد الله بن المبارك أنه قال :
” الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء .”
وقد اهتم العلماء بالإسناد اهتماما منقطع النظير ، ومارسوا فيه نقدا علميا ممنهجا دقيقا أبدعوا آلياته وقواعده ، فنظروا أولا في رواة الحديث لمعرفة معالم حياتهم ونشاطهم وولاداتهم وشيوخهم فنشأ علم الرجال ، وهو علم مستند إلى التاريخ في شكله الأول ، ثم نظروا في أحوال الرواة الدينية والسلوكية والنفسية فنشأ علم الجرح والتعديل ، ونظروا في سلسلات الأسانيد وحللوها حسب عدة مستويات فدرسوا مستوى تحمل الحديث ومستوى الأداء ، ودرسوا مستوى عدد رواة الحديث الواحد فميزوا بين عدة طرق للنقل ، وانطلقوا منها ليصنفوا الأحاديث إلى متواترة ومشهورة وآحاد ، ونظروا في مستوى آخر في اتصال سلسلة الإسناد وانقطاعها فميزوا بين المرسل والمعضل والمنقطع …
وكل هذه الدراسات تمت وفق منهج نقدي صارم يعكس مدى اهتمام العلماء بالجانب الإسنادي لضمان صحة المنقول.
النظم النبوي وقضايا الدلالة والتركيب .
… فأمر النظم خطير يحمل دلالات تبنى عليها قضايا كبرى في تشريع الأحكام وتنظيم الحياتين الخاصة والعامة ما يجعل توجيه الاهتمام إليه بالبحث والدراسة والتحليل أمرا ضروريا .
فالجانب التركيبي للنظم النبوي وعلاقته بالدلالة وإفادة الأحكام ما زال ينتظر مزيدا من الأبحاث العلمية والدراسات المعمقة بمناهج دقيقة .
ولعل السبب في الفقر التحليلي والوصفي للنظم النبوي يرجع إلى أمرين :
١ / أن الكلام النبوي غير معجز بنظمه.
ولا يخفى أن الإعجاز هو الذي كان حافزا لعدد من الدراسات اللسانية واللغوية والدلالية والبلاغية لنظم القرآن ، وانتفاء هذه الخاصية لنظم الحديث فوت عليه هذا التراكم الوصفي والتحليلي .
٣ / أن فية الكلام النبوي ما نقل بالمعنى دون اللفظ ما قلل من أهميته التركيبية .
وقد ألف أحد الباحثين المحدثين كتابا اتجه كله نحو تنحية اللفظية عن الأحاديث النبوية وإن أخرجها أصحاب الصحاح .
( الباحث المقصود هو محمود أبو رية صاحب كتاب ” أضواء على السنة المحمدية ” طبع مرارا بتقديم الدكتور طه حسين ، وألفت كثيرة في الرد عليه ).
ولا يبقى لتلك النصوص إلا معاني النبوة مصاغة بعبارات الرواة والنقلة ما صيرها غير صالحة للتحليل البلاغي واالتركيبي والبياني…
ونحن لا نتفق مع هذا المؤلف في جل ما ورد في كتابه من الاستنتاجات المؤسسة على مقدمات باطلة من الوجهة المنطقية .
فجواز النقل بالمعنى ، على الاختلاف الوارد فيه ، إجراء استثنائي عند الضرورة وليس أصلا في الرواية .
فالأصل فيها التشدد في الضبط والتحري عند النقل ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الحرص على اللفظ النبوي لأنه بمنزلة الوحي ، ولا يجوز لهم استبدال لفظ بمرادفه ولا استبدال تركيب بتركيب .
ومن قالوا بجواز النقل بالمعنى فإنما يقصدون التجويز العقلي الذي لا يدل التاريخ على شيوعه إلى حد التشكيك في نظمية النصوص النبوية .
وحتى على فرض وقوعه ، فقد وقع في العهد المرجعي للغة العربية ، فيكون الحاصل تبديل لفظ بلفظ يصح به الاحتجاج .
ومن هنا يكون للنظم النبوي قيمته اللغوية والبلاغية والدلالية والتركيبية .
وهذا اقتناع يحملني على دعوة الباحثين للاشتغال التحليلي بقضايا هذا النظم وعلاقته بتشريع الأحكام …





