• قناة معارف
  • المجلة الالكترونية
  • اتصل بنا
  • شروط النشر
الأربعاء 11 مارس 2026
مركز معارف للدراسات والأبحاث
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج

الشر اللاهوتي وحرب الإبادة في غزة

بهيجة الماضي لـ بهيجة الماضي
02/07/2025
في : مقالات
A A
0
يُكَذِبونَ بعضهم
227
مشاركات
1.7k
قراءات
المشاركة على فايسبوكالمشاركة على تويترالمشاركة عبر واتساب

لا شك ان من يشاهد الظلم دون ان يملك حيلة لدفعه يشعر بالقهر سواء مع من يمارس عليه. فمن منا لم يكابد القهر وهو يشاهد الإبادة الوحشية في غزة؟ من منا لم يشعر بالخزي والعار من نفسه أمام الخذلان التام للضمير الجمعي، وخرس النخب، وتواطؤ الساسة. أمام خيانة رجال الدين لدينهم، والفلاسفة لفلسفاتهم، والفنانين لفنهم، ودعاة السلام لسلامهم. أمام سقوط الأقنعة، وتهاوي الشعارات، وتلاشي المواثيق، واستبداد الديمقراطيات، وظلامية التنوير، ورجعية الحداثة، وانتحار القيم، وهوان الانسان على أخيه الانسان، وارتداد حضارة القرن العشرين الى قانون القوة بدل قوة القانون.

لكن أمام هذا الصمت المرعب، ينتفض السؤال المرعب: ألا يمارس هذا الشر باسم الله نفسه؟ أليس هذا شعبه المختار الذي سلطه على باقي مخلوقاته؟

إن الشر الذي يحدث في غزة اليوم هو شر استثنائي في تاريخ البشرية، غير أنه شر لا تقف غرابته  عند تنوع أشكال بشاعته؛ بين قصف وحرق وهدم وردم، اعتقالات وتعذيبات، اغتصابات وإعدامات، تهريب وتخريب، بتر للأعضاء، وتمزيق للأجساد، سرقات للأحياء والاموات، وإنهاء لكل مظاهر الحياة، بل تحول إلى حرب إبادة همجية، لاغاية لها ولا خطة سوى التقتيل والمزيد من التنكيل، باستهداف قصدي لمعقل البراءة في الانسان، فلا نجدا له انتصارا الا على أشلاء الأبرياء؛ حتى أن ما قتله فرعون من رضع بني إسرائيل هو كقطرة بحر أمام ما قتله بنو اسرائيل من رضع الفلسطينيين، لكن اغرب ما في هذا الشر أنه يمارس بشاعته باسم الرب نفسه، ويقدم نفسه كتجسيد للاصطفاء الرباني في العالم. وهذاما يفرض علينا السؤال عن طبيعة هذا الشر وعن أصوله وخلفياته النظرية؟

 يميز الفلاسفة بين ثلاثة أنواع من الشر: الشر الميتافزيقي ويكمن في حالة النقص الوجودي سواء الفيزيائي او العقلي او الأخلاقي، مع توق الإنسان المستميت نحو الكمال المطلق، الذي لم ولن يبلغه على هذه الأرض.[1]  والشر الطبيعي أو الفيزيقي الذي يكمن في المعاناة والألم؛[2] لكونه ينشأ بشكل مستقل عن الإرادة البشرية كالأمراض والكوارث الطبيعية. والشر الأخلاقي؛ وهو ما تدخلت فيه الإرادة الإنسانية، وهو الخطيئة بكل درجاتها، ويعتبره ليبنتز أعظم الشرور لأنه يتسبب في أنواع الشرور الأخرى. [3]  وإذا كانت الأنواع الثلاثة من الشر تندرج ضمن لاهوت الشرـ باعتبارها إشكالات ترتبط بنظرية العدالة الإلهية. فإن علم الكلام المعاصر يضيف نوعا رابعا هو الشر اللاهوتي، والشر اللاهوتي كما يعرفه المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي هو” الشر الصادر عن الانسان أخلاقيا تجاه آخرين باعتبار مقولات لاهوتية يؤمن بها.”[4]   

يمارس العدوان الصهيوني جرائمه البشعة في حق الأبرياء ببرود وحشي وضمير متجمد ينم عن عمق التخدير الأيديولوجي الذي يخضع له، وهي المهمة الموكلة لحاخامات اليهود، فهو يستمد مشروعيته في التقتيل والتنكيل بالضعفاء من مقولات لاهوتية، فقد ” اختار الرب شعبه من بين الشعوب واصطفاهم على قلتهم أمّا الشعوب الأخرى على كثرتها فقد سخط عليها الرب وأحل سفك دمها، وخاطبها : «اقتربوا واسمعوا أيها الأمم ! وأصغوا إلي أيها الشعوب ! لتسمع الأرض وكل من فيها، العالم وكل من يخرجه.  الرب غاضب على الأمم ساخط على كل جيوشهم، فحلل سفك دمائهم، ودفعهم دفعاً إلى الذبح، فتطرح قتلاهم في الشوارع ويفوح النتن من جيفهم.  تسيل الجبال من دمائهم، ويفنى كل جند السماء»[5] فالرب يهوه حاقد على كل ”الحيوانات البشرية” غير شعبه، لذا فهو شر يؤصل لنفسه من داخل العقيدة اليهودية، بنصوص من التلمود يعتبرها وصايا الرب لشعب إسرائيل.[6] مما يدفعنا للحديث عن مشكلة الشر اللاهوتي الذي هو بدوره جزء من الشر الأخلاقي.

تبدو كلمة الشر اللاهوتي متناقضة، لأن وظيفة الدين الأصلية هي توليد قيم الجمال والمحبة في وجودنا الإنساني، ونشر قيم الخير والتسامح. غير ان الدين قد يتحول الى أداة لإنتاج القبح والكراهية أيضا، ويحدث هذا الانحراف عن الوظيفة الأصلية وفق الرفاعي حين يتم التلاعب بوظيفة الدين بأحد طريقين: إما بإفقار الدين روحيا بالأدلجة، أو بحصره في البنية التاريخية للأفكار. وفي كلتا الحالتين قد ينحرف الدين عن وظيفته، فيتحول الى آلة لإنتاج الكراهية بدل المعنى الأصلي الذي هو المحبة. فمن يريد أن يعلم  الناس الحياة يمكنه استثمار الدين، ومن يريد أن يعلمهم الموت يمكنه أيضا استثمار الدين، ذلك أنه ” يمكن أن يكون التَدَيُّنُ عنيفًا، حين لا يُفهم الدين إلا بوصفه رسالةً للموت، ولا تُقرأ نصوصُه إلا قراءةً مغلقة عنيفة، ويتمثَّله الأفرادُ والجماعاتُ على أنه إعلانٌ لحرب لا تنقضي على كلِّ مختِلف في الملة.”[7]   

 تعتبر الصهيونية أخطر ايديولوجية عرفها التاريخ البشري، لان جذورها المتعصبة، وخلفياتها الحاقدة -وإن ادعت العلمانية- فهي تستمد جذورها من المقدس، وتبارك شروروها باسم الرب، فلا تكتفي بتدنيس القيم بل تسعى لتدنيس المقدس نفسه منبع القيم عبر التاريخ، بل  تدمج الثنائية الأصيلة الله/الشيطان بفصامية عجيبة ضمن رغباتها الدنيئة لتحقيق جنون السيطرة على العالم. ولا يمكن فصل هذه العقيدة الشوفينية عن أصولها الدينية، و لا يمكن  فهم خلفيات العنصرية والعنجهية الصهيونية بعيدا عن لفظة  “غوييم” العبرية، وهي تعني بالنسبة لليهودي العدو العالمي المكروه، أو قطيع الغوييم الغبي، أو الإرث الذي وعدهم به يهوه».[8]  بناء على عقيدة  التاناخ (التوراة والكتب والنبيين) والتلمود، قبل ان تتحول الى بروتوكولات حكماء صهيون في العصر الحديث، أي فكر مؤطر للعقيدة والسلوك عند اليهودي. والغوييم عند اليهودي ليسوا بشرا ا ولكنهم مجرد ”بهائم وكفرة، وهم يعتقدون أن إلههم قد منحهم الصورة البشرية لكي يستأنسوا بهم ويسهل عليهم تسخيرهم بهذا التشابه في الشكل.[9]     لهذا فهم ليسوا خدما عند اسيادهم اليهود فقط، ولكن اليهودي يملك كامل المشروعية الإلهية لاستعمالهم وإيذائهم كيف يشاء. فهم «الأجانب يرعون غنمكم ويكونون فلاحيكم وكراميكم، تدعون كهنة الرب وتسمون خدمة إلهنا. تأكلون خيرات الأمم، وباغتصاب أمجادهم تفتخرون. .ستملكون في أرضهم مضاعفاً ويكونون فرحكم مؤبداً. فأنا الرب أحب العدل!»[10]  ولشدة نجاستهم فقد حرم الرب على شعبه الاختلاط بهم حتى لا يتدنس نسلهم «..أقبل بعض أعيان الشعب إلي يقولون: شعب إسرائيل والكهنة واللاويون لم يفصلوا أنفسهم من شعوب هذه الأرض من الكنعانيين والحثيين والفرزيين واليبوسيين والموآبيين والمصريين والأموريين، فمارسوا أعمالهم الرجسة واتخذوا من بناتهم زوجات لهم ولبنيهم، فاختلط نسلهم الطاهر بتلك الشعوب، وكان أعيان الشعب وحكامه أول من ارتكب هذه الخيانة … والآن فلا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا بناتهم لبنيكم، ولا تطلبوا سلمهم ولا خيرهم إلى الأبد، فينقطع نسلهم وتأكلوا خيرات الأرض وتورثوها نسلكم مدى الدهر»[11] وبه وجب طردهم من الأراضي المقدسة ”وأنا أرسل أمامك ملاكاً أطرد الكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسينن من تلك الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً»[12]

 إن هذه ال شوفينية ”الغويمية”  ليست موجهة للآخر كمسلم فقط، ولكنها تشمل كل ما هو غير يهودي، وإن كان رمزا أو حيوانا أو لونا أو حجر أصما. فلن تكون آثارها مدمرة للإنسانية فقط، لكنها ستشمل الكوكب الأرضي برمته، الأمر الذي باتت نتائجه بارزة في عصرنا أكثر من أي عصر مضى. وان كان الاعتراض بكون الصهيونية حركة علمانية لا علاقة لها بالديانة اليهودية، فإن النصوص التي قدمنا سابقا تشرعن لكل جريمة من لجرائم التي نشاهدها على أرض غزة من قتل واغتصاب وسرقات، فهي لا تحيد عن النصوص التي تحملها كتبهم عن مشروعية القتل إيذاء غير اليهودي، وإن تدخل أحبارهم في تدريب الجيش، ليثبت أن اليهودية هي النخاع الشوكي للصهيونية بكونها الأرضية العقدية التي تمدها بالمشروعية المقدسة. لهذا فالشر الذي يمارس في غزة قد وصل حدا من الفظاعة  لا يليق فيه إلا وصف ”الشر المطلق”  على حد تعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان بما هو  ”قتلُ للقيم أو محوها” وبما هو ” فتنة القيم”.[13]

 فكيف يمكن مواجهة هذا النوع من الشر؟  وهل يمكن للدين مواجهته وهو يستمد قوته منه؟

لقد أثبتت الأيديولوجية الصهيونية أن الشر اللاهوتي يمكنه أن يصبح أخطر الشرور على الإطلاق، حيث يتم تغذية التعصب والهنجعية الدنيئين بمقولات لاهوتية تضفي عليها القداسة المزعومة، فتتحول العقيدة الدينية إلى شوفينية هي أخطر من كل الشوفينيات التي قد يصنعها الإلحاد نفسه.  فإن جماعة دينية تستوطن وتقتل وتبيد، ثم تنسب ذلك لإرادة الرب، ليس دليل اغتراب ميتافزيقي نتيجة جهل أو ذهول عن الحقيقة الإلهية المتجسدة فيه وخارجه، إنما هو تجسيد للنموذج الإبليسي في الأرض، لكونه الشعب الذي عاين الحقيقة الإلهية التي عاينها إبليس نفسه، ثم يختار بمحض إرادته أن يحاربها ويطمس وجودها.

يفرض هذا الانحراف اللاهوتي للدين ضرورة إنقاذ الإنسانية في الدين، وهو النضال الذي يخوضه اللاهوت الفلسفي المعاصر بصياغة نظريات جديدة تواجه الشر اللاهوتي وتعيد للدين قداسته وبريقه، أمام أشكال التوظيف الأيديولوجي التي تعرض لها عبر التاريخ. يدعو اللاهوت المسيحي الى لاهوت الايمان  الحر، وأغلبهم إلى لاهوت المحبة بكونها أصل النزوع الى الإيمان وبكونها علاقة دينامية مع الله تمتد بذورها الى الآخرين وتحتضنهم.[14]    غير أن إشعال فتيل النور الإلهي في الروح الإنسانية لا يمكنه أن يحلق بجناح واحد، فالتحليق الى الله يجب أن يكون بجناحي المحبة والخشية معا، وإلا تحولت علاقتنا بالله الى علاقة أبوية محضة. فلا يمكن للروح ان تنعتق من سجن الجسد نحو مقامات الحب والأنس الإلهي، إلا بعد تحريرها من ثقل الطين بمقامات الخشية والرهبة. فالمحبة إدراك للرحمة المطلقة للذات الإلهية، والخشية إدراك لجبروتها المطلق أيضا. فالخشية تذيب جليد الشر الكامن في النفس الانسانية، والمحبة تسقيها من الأنهار المتوارية خلف ذلك الجليد.  ولا يمكن إذكاء جذوتهما معا في الروح إلا باتصال دائم ومتجدد مع الله كما هو الأمر في التزامنا بالصلاة.[15]    وبدون هذا الالتزام تظل مقولة الايمان الحر مجرد شطحات، أو ايمان صوري مصيره إلى التلاشي أو الانحسار في حدود الذات الفردية في أحسن حالاته. ولا أدل على ذلك من تاريخ المسيحية نفسها، فقد انتقلت من دعوى الإيمان الحر إلى التجاهل التام للمسيح والرب معا. لأجل هذا ميز محمد إقبال بين تجربتين في الايمان: تجربة العرفاء (المحبين)، وتجربة الأنبياء، فالأول يظل حبيس تجربته الشخصية فلا يخرج منها، بينما يتجاوزها النبي نحو إرادة تغيير العالم والنضال الواقعي ضد الشر.[16]

 تضيف المدرسة الكلامية الجديدة في العالم الإسلامي لاهوتا جديدا لمواجهة الشر اللاهوتي، هو لاهوت الرحمة، بكونه الشرط الضروري لإرجاع الدين الى سالف عهده في إرواء ظمئنا الأنطولوجي للمقدس، وحنينا الى الوجود،[17]   في زمن الفقر الروحي والتخمة الجسدية، والعبور بالدين من ضيق الأيديولوجيا الى سعة الانطولوجيا، وقد أقام عبد الجبار الرفاعي فلسفته الدينية الإسلامية على مفهوم الرحمة باعتباره المفتاح لفهم القرآن  ” رأيتُ الرحمةَ تمثّل مفتاحَ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن، فقد اتخذت الرحمةُ فضاءً واسعًا في القرآنِ الكريم لم تتخذه في الكتابِ المقدّس وغيرِه من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغٍ متنوّعة في القرآن تصرّح بشمولِها كلَّ شَيْءٍ وعدمِ خروجِ أيّ شَيْءٍ عنها، وهو ما تحدّثتْ به آياتٌ متعددة.”[18]   

 فلا يمكن تذويب الشر الجذري في النفس البشرية الا بادراك الله الرحماني، لتتجلى المخلوقات بكونها كلمات الله وأنفاسه في العالم، فيصبح المؤمن أحرص منها على أرواحها، فكيف يؤذيها أو يضرها؟ فإدراكنا لمركزية مفهوم الرحمة في الدين الإسلامي يسلك بصاحبه سلوكا رحمانيا في العالم تجاه ذاته وتجاه كل ما يحي،. فهي رحمة مهداة الى كل روح تدب فوق الأرض «ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة:32).

تقتضي الرحمة الإلهية وفق الرفاعي مقام التكريم الذي حبا به الله أفضل مخلوقاته. فاذا كان فلاسفة اليونان قد جعلوا الإنسان حيوانا ناطقا فان القرآن يجعل منه حيوانا كريما «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الإسراء: 70)، وهي كرامة قبيلة معطاة بحكم ما حمل من أمانة الاستخلاف” لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله اللهُ قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض.”[19] مما يجعل منه كتابا ينطلق من الانسان الى الدين وليس العكس.

 حين يختار الانسان الشر فهو قد اختار التخلي عن كرامته أولا وقبل كل شيء، فلا يمكن لشعب إسرائيل أن يحظى بالاحترام، مهما كانت القوة التي تسنده، وقد رأينا أشكال الاحتجاج  المهينة التي يتعرض لها أينما حل. وقد رأينا قبلها في غزة أشكال الإهانة للكرامة الإنسانية في أبشع صورها، وإن من يهين جماعة بشرية فقد أهان الإنسانية كلها. فلا تقبل الكرامة التجزيء إلى يهودي وغير يهودي،  ولا يمكن لشعب إسرائيل الحاقد ان يكون قد أحب رب موسى ولو ليوم واحد. لأجل ذلك استبدلوا صفة الرحيم بصفة ” إله الحرب”، لإذكاء جذوة العنصرية في قلوبهم.[20]

إن غزة لا تصنع اليوم الحدود الواضحة بين الاحرار والعبيد فقط، بل بين الإنسان والحيوان، مادام العقل الأخلاقي هو وحده ما يرتقي بنا الى مستوى الإنسانية. اما أن تكون ضد الشر او تكون معه ولا وجود لخيار ثالث. فلا معنى ان تكون خيرا وانت لست خصما للشر، تقتضي الخيرية في الانسان النضال ضد هذا الشر بكل الأشكال المتاحة له. وهي المسؤولية الملقاة عاتق الدين والفلسفة معا. وإن كان الفيلسوف يأخذ منهما القدر الأكبر بحكم كونية الخطاب الفلسفي ما يجعله المرشح الأول للدفاع عن “المسؤولية عن الإنسانية جمعاء”، و”المسؤولية عن القيم جمعاء” للمحافظة على الإنسانية والعالم.[21]   ففي مثل هذه اللحظات العصيبة من تاريخ البشرية – حيث تتعرض الأديان السماوية لاختبارات حاسمة، ومعها كل القيم الإنسانية التي جاءت تحملها- تزداد الحاجة الى الحليفين معا: الدين والفلسفة، فتكبر مسؤولية الفيلسوف المؤمن أمام إيمانه وأمام العالم، مثلما تكبر مسؤولية رجل الدين لأجل إنقاذ الإنسانية في الدين، وتخليصه من هذه التحريفات السايكوباتية التي تتخذ طابع المقدس، وأي تجاهل لهذه الانحرافات سيودي بالعالم الى الغرق في المزيد من العبثية والريبة واليأس. كما أن الدين مدعو بدوره لتجديد آليات خطابه ومناهج اشتباكه مع إكراهات عصره، و أي خطاب ديني في عصرنا المتعولم، لا ينفتح على الخطاب الفلسفي، ولا يستثمر خصوبتها النظرية والمنهجية، فمصيره ان يظل محصورا في الزمان والمكان. وان المدعو الأول للتفكير في مشكلة الشر اللاهوتي هو الفكر الإسلامي المعاصر، مادام الجانب الأكبر من المآسي التي تغطي اليوم الكوكب الأرضي إنما هي على أراضي المسلمين.

الهوامش:

[1]  يرى ليبتز انه شر لم يكن في وسع الله أن يتلافاه؛ لأنه نتيجة لازمة عن كونه هو الخالق الكامل، فلا يمكن أن تكون مخلوقاته كاملة مثله؛ وإلا لأنتفي التمييز والفرق بين المخلوق والخالق، لهذا فلا يجوز لنا أن نلوم الله علي ما في مخلوقاته من نقص، فالمخلوق محدود في جوهره لهذا فالنقص لا محيص عنه.  انظر:

Gottfried, Leibniz : Essais De Théodicée Sur La Bonté De Dieu, ( Amsterdam, 1747), tom premier, Article 7, 83.

[2]  يفسر ليبتز سبب وجوده؛ بكونه شرط أو ضرورة افتراضية لارتباطه بالأفضل، بمعني أن هذا الشر وجد نتيجة لتحقيقه خيرات، فإن الارتباط بين الموضوعات والأحداث وثيق إلى درجة أن بعضها لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تحقق البعض الآخر، ومن هنا كان من الضروري في بعض الأحوال من أجل إيجاد خير أكبر أن يسمح ببعض الشرور بوصفها شرطًا لتحقيق هذه الخيرات.

100 .  Leibniz. : Essais Théodicée Tome Premier, Article 25,

[3]  ان الله حسب ليبتز لا يريد الشر الأخلاقي وليس الله من يسمح به؛ لأن الله فرض علينا ان نجتنب ارتكاب الخطايا، لكن الله كان بين شرين أحدهما ألا يخلق العالم، والثاني أن يقبل بعض الخطايا الأخلاقية بوصفها شرطًا لوجود أحسن عالم ممكن، ولقد اختار أهون الشرين، وهو أن يخلق العالم رغم ما ينطوي عليه من خطايا بالضرورة، وهـذا يعني أنه إذا كان الله سمح بالخطيئة فهذا لا يعني أنه مسبب الشر، فالله ليس هو سبب الشر الأخلاقي بل هو الإنسان.

LEIBNIZ , ESSAIS THODICEE, Tome premier, article 23-24,99.

[4] “الإيمان والحب كلاهما كيمياء للروح، كلاهما منبثقان من جوهر واحد، يولَدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا. حيث يشتد الإيمانُ يشتدّ الحب، وحيث يذبل الإيمان يذبل الحب.” انظر: الرفاعي، عبد الجبار، مشكلة الشر وثيوديسا الظمأ الأنطولوجي، الصباح، 01/10/2024. https://alsabaah.iq/103440-.html

[5]  سفر أشعيا، الإصحاح34: 1- 3.

[6]  “وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ.” (يش: 6:24-21)

” وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا،” (سفر التثنية 20: 10-16).

«إن النطفة المخلوق منها باقي الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية هي نطفة حصان»  أوغست روهلنج: اليهود على حسب التلمود، ط3، دار فلسطين المحتلة، بيروت، 1970.  ص31. اختار الرب شعبه من بين الشعوب واصطفاهم على قلتهم أمّا الشعوب الأخرى على كثرتها فقد سخط عليها الرب وأحل سفك دمها، وخاطبها : «اقتربوا واسمعوا أيها الأمم ! وأصغوا إلي أيها الشعوب ! لتسمع الأرض وكل من فيها، العالم وكل من يخرجه.  الرب غاضب على الأمم ساخط على كل جيوشهم، فحلل سفك دمائهم، ودفعهم دفعاً إلى الذبح، فتطرح قتلاهم في الشوارع ويفوح النتن من جيفهم.  تسيل الجبال من دمائهم، ويفنى كل جند السماء»(  سفر أشعيا، الإصحاح34: 1- 3.

[7]  عبد الجبار، الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، (الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م)،  14.

[8] التوراة تاريخها وغاياتها: ترجمة سهيل ديب، ط1، دار النفائس، بيروت، 1406ه- 1986م. ص24.

[9] عبد الرحمن حسن حبنكة: مكايد يهود عبر التاريخ، ط2، دار القلم، دمشق، 1978. ص12.

[10]سفر أشعيا، الإصحاح61: 5- 8.

[11]سفر عزرا، الإصحاح9: 1- 2 و12.

[12] سفر الخروج، الإصحاح33: 1- 3.

[13] يميز طه عبد الرحمان بين  “الشر المطلق” و “الشر المتجذِّر” عند كانط، او “الشر المبتَذَل” عند الفيلسوفة حنة أرندت؛ فالمقصود بـ”الشر المتجذِّر” هو كون الإنسان مجبولًا على الشر، بحيث لا يمكن اجتثاثه من باطنه؛ وهذا غير مسلَّم، لأن الإنسان منفتحُ الجبلَّة، إذ يحمل في باطنه استعدادات للخير حمْلَه لاستعدادات الشر؛ والمقصود بـ”الشر المبتَذَل” هو حال الإنسان الذي لا يهمّه إلا تنفيد أوامر رؤسائه، متخليًا بالكلية عن إعمال فكره، وغير قادر على أن يحكُم على أفعاله حكمًا أخلاقيًا؛ وهذه الحال تخص أفرادًا معيَّنين أُوكلت لهم مهامّ مخصوصة، بينما “الشر المطلق” هو حالة قصوى من الإيذاء لعموم الإنسانية يتسبب فيها أفراد أو جماعات يوظّفون فكرهم المجرَّد لإيقاع موصول الأذى بها، حتى يحملوها على فقدان القدرة على التسديد. لهذا يؤكد طه عبد الرحمان ان غاية هذا ” الإيذاء اللامعقول واللامحدود” هي من أجل الوصول إلى غرضين غاية في المنكر، أحدهما تعطيل المواثقة؛ إذ المواثقة تكون بين الإنسان وأخيه الإنسان، كما تكون بين الإنسان وخالقه، والثاني تخريب الفطرة، إذ الفطرة هي مستودع القيم في باطن الإنسان”. انظر: عبد الرحمان، طه، الشر المطلق ومسؤولية الفيلسوف، الجزيرة نت، 21/03/2024. https://2u.pw/oOoMg14Z

[14]   wynkoop, bangs, Mildred a theology of love, the dynamic of wesleyanism, (second edition, beacon hill press ,second ed, 2015).

[15]  ”هذه الجذوة بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئًا فشيئًا حتى تنطفئ. ما لم تتكرَّر الطقوسُ والصلاة في سياق عبادِيّ مرسوم، يذبل الإيمانُ، ويذوي حتى يصير حطامًا… القولُ بأنّ لكل شخص عبادته وصلاته الخاصّة كلام غريب على منطق الأديان… وأغرب منه محاولاتُ بعض الناس ترقيع والتقاط عناصر متضاربة من أديان مختلفة… وممارستها بشكل يمحق الدِّين، وينتحل حالةً زائفةً للإيمان”. الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانيّة، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الأولى 2021م)، ص 47.

[16]  محمد، إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، مراجعة عبد العزيز المراغي بك، مهدي علام، )القاهرة، 1955(

[17] عبد الجبار، الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة 2018م)، ص 17.

[18] عبد الجبار، الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، (بيروت: دار التنوير، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية، 2019م)، ص 25.

[19] عبد الجبار، الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، (بيروت: دار الرافدين، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثانية 2022م)، ص 11-12.

[20]  يهوه إله الحرب، وهو بهذا يختلف عن إله الآباء والإله إيل، هو إله حارب من أجل شعبه ضد فرعون، وهو إله سيحارب من أجل شعبه على مر تاريخه” الخوري بولس الفغالي، العهد القديم ”مع الآباء والأنبياء”ص 53. يقول أحد الباحثين: “إذا أردنا الحديث عن كيف أصبح يهوه الإله الوحيد لشعب إسرائيل-يهوذا، فإن يهوه بوصفه إلهًا للحرب، يبدو أكثر منطقية بالنظر إلى كيفية نشوء إسرائيل والعبادة المتمركزة في القدس على الحرب. فلو كنتَ قائد حرب ونسبتَ نجاحك إلى إله الحرب، فما قيمة أو مكانة أيٍّ من الآلهة الأخرى لديك؟ الإله الوحيد الذي يهم هو الإله الذي ساعدك على تحقيق النصر. وهذا الإله هو يهوه. ومع تمركز هذا الإله في القدس، ومع قيام ذلك الهيكل وإعادة بنائه في القدس، أصبح هذا الإله هو الوحيد الذي نسميه الآن ببساطة “الله”

Paul krause, How yahweh became god :the war god thesis ,  The Journal of the Eric Voegelin Society, 24 /01 :2022. https://minervawisdom.com/2022/01/24/how-yahweh-became-god-the-war-god-thesis/

[21]  عبد الرحمان، طه، شر المطلق ومسؤولية الفيلسوف، مرجع سابق.

الوسوم : الشر المطلقالعدالة الإلاهيةاللاهوتغزةقطاع غزة
بهيجة الماضي

بهيجة الماضي

أستاذة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي باحثة في سلك الدكتوراه، تخصص فلسفة الدين والفلسفة الإسلامية، كلية الاداب والعلوم الإنسانية، ظهر مهراز . فاس نشرت لها عدة مقالات: - ”هل المعرفة هي الاعتقاد الصحيح والمبرر” –ترجمة– مجلة دراسات فلسفية بالجزائر - نظرية التاويل عند بول ريكور مجلة أثارة. 2022 ”فلسفة التأليه عند ريتشارد سوينبرن”- ترجمة – دورية نماء 2025 -مشكلة المعرفة عند جيتيير–كلية الاداب واللعوم الإنسانية- فاس 2025 -في فصل الأخلاق عن الدين: علي عزت بيغوفيتش محاورا امانويل كانط- ضمن كتاب جماعي بعنوان ”الأخلاق وازمةالحداثة عند عزت بيغوفيتش بعيون مغربية” مركز معارف للبحوث والدراسات. 2023 - التربية على القيم في المدرسة المغربية: قضايا وإشكالات ضمن كتاب جماعي ”القيم مقاربة ابستمولوجية وبيداغوجية وديداكتيكية – المركز المغربي للدراسات الإنسانية والأبحاث التربوية 2023

ذات صلةالمقالات

النظم النبوي وقضايا الدلالة والتركيب

النظم النبوي وقضايا الدلالة والتركيب

رمضان غزة: حكاية صمود بطعم القطايف

رمضان غزة: حكاية صمود بطعم القطايف

صيامنا…وصيام من قبلنا

صيامنا…وصيام من قبلنا

بحث مبدع وتجديد فكري لنهوض حضاري

التجديد الفكري والتفكير النقدي والتأثير عن طريق الدراسات في توجهات الرأي العام وصناع القرار.

تصنيفات :

  • أنشطة المركز
  • إصداراتنا
  • اخترنا لكم
  • ترجمات
  • تقدير موقف
  • حوارات
  • دراسات وأبحاث
  • شخصيات وأفكار
  • قناة معارف
  • مدونات معارف
  • مراجعات
  • مقالات
  • مقالات مختارة

مستجدات :

المعتقدات الدينية للأمازيغ قبل الإسلام

المعتقدات الدينية للأمازيغ قبل الإسلام

لـ عمر لشكر
0

“الأميركيون يتحدثون الآن عن السلام، ولكن من دون استخدام القوة” مقابلة مع أندريوس كوبيليوس

“الأميركيون يتحدثون الآن عن السلام، ولكن من دون استخدام القوة” مقابلة مع أندريوس كوبيليوس

لـ إدارة المركز
0

مركز معارف © 2025 | تطوير تطوير Webrandl

  • الرئيسية
  • مركز معارف
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات

مركز معارف © 2025 | تطوير تطوير Webrandl

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In