المبحث الثالث: المرابطة المقدسية وتجديد الحضارة الإنسانية
مثلما أن طوفان المرابطة المقدسية الأقصى كان إحياء للأمة الإسلامية وتجديدا لها، بوصفها نموذجا إيمانيا يقتدى به أو يؤتم به، فكذلك كانت هذا الطوفان تجديدا للحضارة الإنسانية الحديثة، من حيث إنه يؤسس لنموذج جديد من قيم التحضر الإنساني، يقوم على أساس لا النظرة المصلحة الميكيافيلية، وإنما على أساس النظرة الإيمانية، الروحية والأخلاقية. ويمكن رصد صور هذا التجديد الحضاري الإنساني من الوجوه الآتية:
أولا: التأسيس لنموذج جديد من الإنسان، ويتمثل ذلك في أن طوفان الأقصى الذي قامت به المقاومة المرابطة على الثغور المقدسية، قدم للعالم كله نموذجا جديدا من الإنسان، يختلف كليا وجذريا عن الإنسان الذي أفرزته الحداثة الغربية، وعلى النقيض من نموذج الإنسان الأعلى الذي كانت تتحدث عنه الفلسفة العدمية لما بعد الحداثة، ويمكن أن نطلق على هذا النموذج من الإنسان الجديد اسم “الإنسان الشاهد”، ويختص هذا النموذج من الإنسان بكونه إنسانا يحفظ شهادته الأولى التي أخذها ربه منه يوم كان نسمة روحية في عالم الملكوت الغيبي، ولذلك، يكون مشدودا على الدوام إلى المصدر الإلهي، وموصولا بفطرته الروحية والخلقية، مبادرا إلى العطاء والإبداع والابتكار والإنتاج، ويتميز بخصائص أخلاقية لا يوجد لها نظير في نموذج الإنسانية الحديثة، مثل تقديم الحياة الآخرة على الحياة الدنيا، وإيثار غيره على نفسه، والإحسان إلى الأسير، والتضحية بنفسه من أجل بقاء القيم الروحية والأخلاقية التي لا يكون الإنسان إنسانا إلا بها، وتقديم حياته ثمنا في سبيل إحياء غيره، والنظر إلى العالم والأشياء من حوله لا نظرة امتلاكية، وإنما نظرة ائتمانية، معتبرا الأشياء والمخلوقات في هذا العالم ودائع أو أمانات إلهية لدى الإنسان يجب عليه حفظها …
فإذا كانت الحداثة الغربية تفرز نموذجا من الإنسان متغلغلا في المادية، لا يشغله سوى إشباع حاجاته المادية وشهواته وغرائزه البهيمية، حتى أنه يصح وصفه بالإنسان الزاحف الذي لا يفارق أفق الحس، فحيثما تولى فلا يرى إلا أفق المحسوس، كأنه حيوان زاحف على بطنه، فطوفا الأقصى الذي قامته به المقاومة المرابطة على الثغور المقدسية، على خلاف الحداثة الغربية، تسعى إلى التأسيس لنموذج جديد من التحضر الإنساني، يمكن وصفه بالتحضر العارج، على اعتبار أنه يقوم على مقتضى القيم الروحية والخلقية، بوصفها قيما عارجة، تعرج بالإنسان إلى الأعلى، مرتقية به درجات في سلم الكمال الأخلاقي، ولا يفصل عالم الملك عن عالم الملكوت، بل على العكس من ذلك، يجمع بين الكون في عالم الملك والكون في عالم الملكوت، حيث يكون فيه الإنسان مزدوج الوجود، يجود بجيده فب عالم الملك أو الشهادة، ويتواجد بروح في على الملكوت أو الغيب، ومشدودا إليه على الدوام وبدون انقطاع، فلا ينفك يؤسس التحضر المادي في عالم الشهادة على التحضر الروحي والخلقي الموصول بعالم الغيب الملكوتي، فيؤسس المصلحة على الخلق، والتنمية على التزكية، والتواصل على التعارف، والدنيا على الآخرة، والسعادة العاجلة على السعادة الآجلة …
فهو إذن تحضر يخرج عن طور التحضر الإنساني الحديث الذي أفرزته الحداثة الغربية، باعتباره تحضرا لا يحصر فيه الإنسان آفاقه في عالم الحس المرئي مثلها هو واقع الإنسان في التحضر الحديث، وإنما لا ينفك عن وصل هذا العالم الدنيوي الحسي بأفق العالم الأخروي الأعلى، بحيث ينظر إلى هذا العالم الحسي المرئي بمقاييس ومعايير مستمدة من عالم الملكوت، كأنه يطل عليه من أعلى أو شرفة، إيقانا منه بأن أسباب وجود هذا العالم الحسي السفلي متجذرة في عالم الملكوت الإلهي، إذ لولا الإرادة الإلهية في عالم الملكوت الغيبي ما بالإمكان مطلقا أن يوجد هذا العالم المرئي، ومتيقن بأن فلاح الإنسانية أو سعادتها لا تتحقق بمجرد الكون في العالم المادي المرئي، وإنما تتحقق بتأسيس الكون في العالم المادي على الكون في العالم الروحي الملكوتي، بوصفه الأصل الذي جاء منه الإنسان إلى هذا العالم.
ثانيا: التأسيس لانبعاث قيم حضارية جديدة، إن معركة المقاومة المرابطة مع الكيان الإسرائيلي المحتل عموما، ومعركة طفان الأقصى خاصة، ليست معركة وطنية أو إقليمية فحسب من أجل تحرير فلسطين من يد المحتل الصهيوني، وإنما هي بالأسس معركة قيم كبرى، معركة بين القيم الإيمانية، الروحية والخلقية، وقيم اللاهوت العلماني الغربي الذي أفرزته الحداثة الغربية، أو قل معركة بين القيم الإيمانية وقيم اللاهوت العلماني، لأن الكيان الصهيوني المحتل الذي تواجهه المقاومة الإسلامية اليوم عبارة عن صناعة غربية صرف، أو قل عبارة عن نتاج قيم اللاهوت السياسي الغربي الحديث، فلولا جهود العقل السياسي الغربي ما كان بالإمكان أن يقوم هذه الكيان أصلا، وعلى هذا، فمواجهة هذا الكيان المختل الغاصب هي على الحقيقة مواجهة مع قيم العقل السياسي الغربي الحديث، وخوض لمعركة حضارية كبرى بين القيم الإسلامية والقيم الحداثية الدهرية.
وتسعى هذه المعركة الحضارية إلى التأسيس لانبعاث نموذج جديد من القيم الحضارية، بوصفه نموذج الإنسان الأول، الذي بمقدوره أن يتصدى لطغيان نموذج القيم المادية الذي أفرزته الحداثة الغربية، وينقذ الإنسانية من الإفلاس الأخلاقي الذي أصاب الحضارة الحديثة في الصميم، إذ اتضح بالدليل القاطع اليوم أن الاختيارات القيمية الحداثية التي قامت عليها الحضارة الإنسانية الحديثة بقيادة العقل الغربي، أفرزت أشكالا من الانحطاط الأخلاقي الفظيع، وصورا من القحط الروحي الشنيع، نزل معها التحضر الإنساني إلى مقام البهيمية العجماء، بحيث أضحى فيه الإنسان لا يشغله سوى إرواء نزواته الغريزية، وإشباع حاجاته المادية المركوزة، كما لو أنه مجرد بهيمة عجماء، بل إن هذا التحضر نزل إلى ما دون مرتبة البهيمية ….
ولذلك، لا نجانب الصواب إذا قلنا إن معركة المقاومة المرابطة على الثغور المقدسية عبارة عن معركة كونية لتصحيح مسار الحضارة الإنسانية، وفتح الطريق لتدفق قيم أخلاقية جديدة، تعيد الاعتبار للقيم الروحية والأخلاقية الإيمانية، بوصفها القيم التي تحفظ للإنسان إنسانيته كما تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ووظيفته الوجودية.
لقد آن الأوان لمراجعة المنظومة القيمية الحداثية برمتها، وإعادة النظر في مفاهيمها وتصوراتها، وإخضاعها للامتحان النقدي، على اعتبار أن سياسة الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل تجاه الشعب الفلسطيني، والسياسة الغربية تجاه الشعوب والأمم غير الغربية، وخاصة الأمة الإسلامية، ليست مجرد أفعال عرضية أو أحداث منعزلة، وإنما هي أسلوب استراتيجي في التعامل مع الآخر، أنتجه نمط تفكير العقل الغربي، وأفرزته نظرته إلى الإنسان والأشياء والعالم، أي أن جذور هذه السياسة موجودة في نمط العقل الحداثي الغربي.
وليس في هذا مبالغة متى علمنا أن من مفكري الغرب الحديث من كان لا يجد حرجا في النظرة الدونية إلى الأمم والأقوام غير الغربية، فهذا الفيلسوف كانط كان ينظر إلى الإنسان الإفريقي باحتقار واسخفاف سافرين، بوصفه، في نظره، نموذجا من البشر الوحشي الذي لا يستحق الكرامة، ومثله الفيلسوف هيغل الذي كان ينظر إلى الأوروبيين بوصفهم أسياد العالم، بينما غيرهم من الأمم الأخرى، كالإفريقية مثلا، ينبغي أن تكون خدما لهم، وعبيدا عندهم، وذهب الفيلسوف نتشه إلى أقصى من هذا وذاك قبحا وشناعة وانحطاطا، إذ دعا صراحة إلى اعتماد القوة أو العنف أساسا للعلاقات الإنسانية، مطالبا بالتخلي عن القيم الخلقية كالرحمة والرفق والإحسان … بوصفها أخلاق العبيد والضعفاء.
فما يقترفه أرباب الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل من جرائم القتل والتدمير والتخريب، ليس سوى امتداد لفلسفة العنف أو القوة التي تزعمها كثير من فلاسفة الغرب، وتجسيد لمفاهيمها، خاصة الفلسفة الداروينية الاجتماعية والعدمية والنازية، وتجسيد أيضا لنظرة الاستعلاء أو الاستكبار التي قامت عليها أغلب مفاهيم الفلسفة الغربية الحديثة في نظرتها إلى الأمم والأقوام والشعوب غير الغربية، بحيث نجد كثيرا من المفكرين والمتفلسفة الغربيين ينظر إليها بوصفها نماذج من البشرية المتخلفة أو الدونية أو غير المتحضرة التي لا تستأهل المعاملة بالحسنى ولا التكريم، وإنما تعامل بوصفها عبيدا أو خدما في أحسن الأحوال.
كل هذه الحقائق تدل اليوم على أن الإنسانية الحديثة تعيش في فراغ أخلاقي مدمر، وطغيان سافر للنزعة السياسية الميكيافيلية، بما يجعل الإنسان في حاجة عاجلة إلى ضرورة تجديد أخلاقي كوني، والمتأمل في طوفان الأقصى الذي قادته المقاومة الإسلامية المرابطة على الثغور المقدسية، والمتفكر فيما نتجه عنه من ردود أفعال الكيان الصهيوني المحتل، وكيفيات تفاعل الشعوب والمجتمعات والدول معه، إقليميا ودوليا وعالميا، لا يسعه إلا أن يعترف بأننا أمام منعطف تاريخي كوني، يشهد على موت قيم الحداثة الغربية، وتهافت خطاباتها في الحقوق والحريات، وفي الوقت نفسه يؤسس لانبعاث قيم حضارية جديدة، تجسدت أولا في سلوك المقاومة المرابطة وأهلها وممارستها واستراتيجيتها، وهي بالذات القيم الفطرية، الروحية والخلقية التي خلق بها الإنسان الأول أو الإنسان الآدمي، وجاءت بها الرسالات والشرائع السماوية، وشكلت القاعدة المرجعية في تعامله مع الأشياء من حوله، وتعامله مع الأغيار، مثل قيم التوحيد، والإحسان، والعدل، والعزة، والكرامة، والمقاومة، والحرية، والحياء، والتوكل، والصبر، والصدق، والثبات على الحق … وهي قيم ذات صبغة روحية وأخلاقية.
ولا خفاء أن الأوضاع التي يعيش فيها أهل المقاومة المرابطة على الثغور المقدسية عموما، وأهل المقاومة الغزية المرابطة خصوصا، والظروف الإنسانية والاجتماعية التي يمرون بها، بسبب العدوان الإسرائيلي الصهيوني، لا يمكن أن يتحملها ويصبر فيها إلا أهل العزائم العظيمة، وذوو الهمم العالية، من الرجال الكمل، والنساء الكاملات، والمتأكل في ذلك كله، لابد أن يتساءل عن السر من وراء هذا الصمود والصبر وقدرة التحمل، والسبب في تحصيل هذا الكمال الإنساني؟ والجواب: هو “نموذج القيم الفطرية الإيمانية”، فهو السر في بلوغ هذا الإنسان المرابط عموما والغزي خصوصا رتبا علية في الكمال البشري الممكن، وتحصيل القدرة على مواجهة التحديات والأخطار مهما بلغت شدتها، وعظمت آلامها، بل مقاومة أشد أنواع العدوان الإسرائيلي الصهيوني الهمجي وأشنع أشكاله وأقبح صوره على الإطلاق.
ولا يخفى أن الحضارة الإنسانية اليوم بلغت دركات بعيدة في الانحطاط الأخلاقي، والقحط الروحي، لا يمكن إنكارها، حتى فقد معها الإنسان الحديث إنسانيته، ونزل إلى رتبة البهيمية، بل أقل منها رتبة، إذ أضحى لا تشغل باله إلا إشباع الرغبات والغرائز، وتجميع الأشياء والممتلكات، ولذلك؛ لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الحضارة الإنسانية اليوم لا تحتاج إلى شيء مثلما تحتاج إلى “نموذج القيم الإيمانية الملكوتية” الذي يجسده العقل المقاوم المرابط، بوصفه نموذج الإنسان الأول المركوز في الفطرة، فلا نموذج أخلاقي يمتلك القدرة على إنقاذ الإنسانية اليوم من الضلال البعيد الذي تسير فيه، وإخراجها من الانحطاط الأخلاقي الذي تعيش فيه إلا نموذج القيم الفطرية الإيمانية، فهو سفينة النجاة اليوم بلا شك.
ولذلك، فالحضارة الإنسانية اليوم لا يمكن أن يصحح مساراتها، ويقوم اعوجاجاتها، ويصلح أعطابها الروحية والأخلاقية، إلا “نموذج القيم الإيمانية”، بوصفها القيم التي لا يكون الإنسان إنسانا على الحقيقة إلا بوجودها، وهذا النموذج هو الذي تسعة المقاومة المرابطة بطوفانها المبارك أن تقمه للعالم أجمعين، بوصف النموذج الإنساني الأصل الذي ينبغي أن يحل محل القيم الحديثة، فهو يخلخل المقاييس والمعايير المادية التي تقوم عليها الحضارة الحديثة في تقدير الأشياء، ومواجهة التحديات، ورسم المخططات والاستراتيجيات، ويقدم نموذجا جديدا من المقاييس والمعايير في التقدير والتخطيط والمواجهة مستمدة من الإيمان، مقاييس ومعايير تقلب الموازين المادية في التعامل، إذ لا تقيم كبير وزن، ولا تعطي الأولوية، بل لا تعول استراتيجيا على المقاييس والمعايير المادية متى كانت مجردة، وإنما يقوم على معايير ومقاييس ذات صبغة لطيفة لا كثيفة، وهي بالذات المعايير والمقاييس الروحية والخلقية أو قل الإيمانية، مع الأخذ بالمقدور عليه من الأسباب المادية الظاهرة، مع الحرص على أن تكون هذه المعايير والمقاييس مؤسسة على المقاييس الإيمانية أو التزكية الروحية والخلقية.
ثالثا: كشف تهافت القيم الحداثية، لقد ظهر بفضل طوفان الأقصى الذي قامت به المقاومة المرابطة على الثغور المقدسية، مدى تهافت قيم الحداثة الغربية، وتبين قصورها بالدليل الساطع، واتضح للعيان اليوم، بما كشفه العدوان الصهيوني على غزة من نفاق غربي سافر، أن خطابات الحداثة في الحرية والحق والعدالة والمساواة والديمقراطية لم يكن يحسبها أصحابها خطابات كونية تعم جميع أفراد الإنسانية، وإنما كانوا يتداولونها بوصفها خطابات قومية مخصوصة بالمجتمعات الأوروبية والأمريكية … بمعنى أن واضعيها من المفكرين والفلاسفة الغربيين لم يكونوا يقصدون من تنزيلها أنها تشمل جموع الإنسانية، أي لم تكن خطابات كونية أو عالمية تسري على كل الأمم والأقوام بغض النظر عن أعراقهم وأجناسهم وعقائدهم وأخلاقهم، وإنما كانوا يحصرون العلم بها وتطبيقاتها في نطاق جغرافيا الإنسان الغربي أو الإنسان الأورو- أمريكي، اعتقادا منهم بأن الإنسان الغربي هو الصنف المتحضر من البشرية، وظهر ذلك في جليا في سياساتهم الاحتلالية، وتعاملاتهم الاقتصادية والاجتماعية، مع غيرهم من الأمم والشعوب، بحيث تجد العقل الغربي يسعى دائما إلى إبقاء هذه الأمم والشعوب في وضع الشقاء والفقر والتخلق الاقتصادي والعلمي …
ويكفي شاهدا على هذه النزعة القومية الأوروبية – الأمريكية المستخفة بالآخر غير الغربي، ما أعلنه الفيلسوف الألماني المشهور، صحاب الخطابات الفلسفية في الأخلاق والتواصل، من اصطفاف سافر إلى جانب الكيان الصهيوني الإسرائيلي المحتل، بوصف عدوانه الهمجي على أهل غزة دفاعا عن النفس، محاولا بذلك تسويغ جرائمه البشعة ضد الإنسانية، وتعليل وحشيته النازية الجديدة، من غير استحياء ولا وخزة ضمير، واقعا بذلك في تناقض سافر مع نفسه، بما يدلل على أن خطاباته الأخلاقية لا تعدو كونها مجرد خطابات تجريدية متهافتة، تشهد على نفاقه وانحطاطه.
ولذلك؛ لا نستغرب من العدوان الهمجي والوحشي الذي يمارسه أرباب الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل على الشعب الفلسطيني عامة والشعب الغزي خاصة، ومارسه من قبل أيضا على الشعب اللبناني، إذ لا يتورع عن قتل المدنيين العزل، وارتكاب جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية للناس العزل، فضلا عن التجويع والحصار الممنهجين، كما لا نستغرب أن يسكت الزعماء الغربيون، ويصموا آذانهم ويغموا أعينهم عن مشاهدة هذه الجرائم الخطيرة والسماع عنها، بل لا نتعجب من أن يقوم مدافعا عن هذا الاحتلال وهذا التقتيل الممنهج بوصفه دفاعا عن النفس، مختلقا الأكاذيب والتضليلات والافتراءات.
لقد كشفت المقاومة المرابطة عامة، وطوفان الأقصى خاصة، عن تناقضات العقل الغربي، بما لا يدع مجالا للشك في تهافت هذا العقل، واختلال موازينه، واضطراب مقاييسه، بل واعتلال بنياته، شاهدا بذلك على محدودية قيم الحداثة الغربية، وعن زيف الخطاب الحقوقي الغربي الحديث، إذ وضع أهلها على المحك الأخلاقي، فانكشفت سوآتهم الخلقية للعالم كله، بل أزال الحجب عن بصائر فئة عريضة من الشعوب الغربية وأبصارها، إذ أدركت التناقض الذي وقع فيه أصحاب الحضارة الغربية الحديثة، واستقيظت من غفلتها الطويلة، لتدرك مقدار غسيل الدماغ أو العقل الذي تعرضت له على امتداد عقود من الزمن، وهم يشهدون على تهافت النموذج القيمي الحداثي الذي قدموه للبشرية بوصفه أرقى نموذج حضاري ممكن، ويشهدون على انهزامه الحضاري في مواجهة النموذج الإيماني الذي تسلحت به المقاومة المرابطة، وأظهره طوفان الأقصى المؤيد.
كل ذلك، أزال الحجب والغشاوات عن بصيرة كثير من المواطنين الغربيين، بما يجعلهم يدركون بلا شك مدى الإفلاس الروحي والأخلاقي الذي يعاني منه العقل الذي أفرزه نموذج الحضارة الغربية الحديثة، ويبصرون أشكال النفاق الذي يمارسه أرباب هذه الحضارة في تعاملهم مع الأمم والشعوب الأخرى، ويدركون شدة النزعة الهمجية والوحشية والسادية التي تنطوي عليها نفوس أصحاب الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل، ومقادير الحقد والكراهية والبغض والغيظ الذي تحمله قلوبهم المرضة، إذ خدعوا أغلب البشرية بخطاب المظلومية لعقود من الزمن، متوسلين في ذلك كله، بأساليب الكذب والافتراء والتضليل والتحريف، بينما الواقع أنهم أشد الناس ظلما للبشرية، وأقبحهم معاملة، أكثرهم إفسادا للعمران البشري والاجتماع الإنساني، ويكفي شاهدا على ذلك أنهم لا يجدون أدنى حرج، ولا يشعرون بأدنى وخزة ضمير في قتل الأطفال والنساء والمرضى، بل قطع الهواء عن الأولاد الرضع في العناية المركزة.







