• قناة معارف
  • المجلة الالكترونية
  • اتصل بنا
  • شروط النشر
الجمعة 2 أكتوبر 2026
مركز معارف للدراسات والأبحاث
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات
لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج

طوفان الأقصى والمنعطف التاريخي الجديد: المقاصد والدلالات

الحلقة(4)

مصطفى أمقدوف لـ مصطفى أمقدوف
02/10/2026
في : مقالات
A A
0
طوفان الأقصى والمنعطف التاريخي الجديد: المقاصد والدلالات
189
مشاركات
1.5k
قراءات
المشاركة على فايسبوكالمشاركة على تويترالمشاركة عبر واتساب

المبحث الرابع: المرابطة المقدسية وهزيمة العقل الصهيوني

لقد سيطرت على عقول كثير من القادة والزعماء والخبراء العسكريين والمثقفين العرب أسطورة الجيش الإسرائيلي الصهيوني الذي لا يقهر، حتى تحولت هذه الأسطورة مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقيقة في مخيال الزعماء السياسيين العرب، وأعوانهم من المثقفين المنتكسين، وزاد من رسوخ هذه الأسطورة في عقولهم ما تعرضت له جيوش العرب مجتمعة، من هزائم متكررة على يد الجيش الصهيوني. كل ذلك أدى إلى تقديم صورة خيالية عن العقل الصهيوني بوصفه عقلا جبارا لا يمكن هزيمته، نظرا لما يمتلكه من خصائص إبداعية، وإمكانات ابتكارية، وقدرات عالية على المناورة والتخطيط والمواجهة والتحكم والسيطرة والنفوذ.

وأرباب الكيان الصهيوني أنفسهم، فضلا عن أعوانهم الغربيين، لم ينفكوا يقدمون العقل الصهيوني على مدى عقود عدة، بوصفه عقلا خارقا للمعتاد، تخطيطا وسيطرة وتحكما، ومتمكنا من زمام الأمور كلها في مختلف المجالات الحضارية، ليس بمقدور غيره من العقول أن تضاهيه، بله أن تواجهه أو تتفوق عليه. وزاد من أسطرة هذا العقل ما راكمه من إمكانات مادية كبيرة، وما أنتجه من عتاد حربي هائل، وما حققه من سيطرات اقتصادية وتكنولوجية واستخباراتية ظاهرة، وما أنجزه من إخضاع سياسي لكثير من حكام الدول العربية والدول الإسلامية، خاصة الذين سارعوا أو هرولوا إلى التوقيع على اتفاقيات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل، خوفا من وعيد هذا العقل، وطمعا في أن ينالهم رضاه، بما يحفظ مصالحهم الشخصية والقومية.

لكن العقل الإسلامي المقاوم المرابط على الثغور، على خلاف ما روج عن العقل الإسرائيلي الصهيوني، لم يكن ينظر إليه بوصفه عقلا غير مقدور عليه أو عقلا خارقا، بل على العكس من ذلك تماما، كان ينظر إليه بوصفه مجرد إمكان واحد من الإمكانات العقلية المتعددة، والمتكاثرة، وأنه توجد إمكانات عقلية غيره، أفضل منه وأقوى، ولقد برهن هذا العقل المقاوم على امتداد عقود من الزمن على نسبية العقل الإسرائيلي الصهيوني، حيث لم يستطع هذا العقل – أي العقل الصهيوني – أن يقضي على العقل الإسلامي المقاوم في ميدان المعارك والمواجهات،  ولما جاءت معركة طوفان الأقصى المباركة  تمكنت من إلحاق الهزيمة بالعقل الإسرائيلي الصهيوني، بما جعلها تنسف أسطورة العقل الإسرائيلي الصهيوني الذي لا يقهر. ويمكن إجمال هذه الهزيمة التاريخية الكبرى في ثلاث صور بارزة، وهي:

أولا: الهزيمة العسكرية: معلوم أن العقل الإسرائيلي الصهيوني قد استطاع أن يهزم الجيوش العربية مجتمعة، ويتغلب عليها في ميادين المعركة، حتى إن هذه الهزيمة التي تلقتها هذه الجيوش العربية، أثرت بعمق في العقل السياسي العربي، بما جعله يستعظم العقل العسكري الإسرائيلي الصهيوني، ويسلم بالعجز عن مواجهته أو هزيمته، ولا أدل على ذلك من هرولة هذا العقل العربي السياسي إلى عقد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل، والتسليم بأمر الواقع.

ولئن كان العقل السياسي العربي الرسمي يسلم بعدم القدرة على مواجهة العقل الصهيوني العسكري، فالعقل الإسلامي المقاوم المرابط على الثغور الفلسطينية والمقدسية، على خلافه، لا يستعظم العقل العسكري الصهيوني، ولا يسلم باستحالة هزيمته، بل على العكس من ذلك، يؤمن بأن هزيمة هذا العقل ليس أمرا خارج الطاقة، وإنما هو أمر قريب، بل ويسير، متى اضطلع بمواجهته، الكُمَّل من الرجال المقاومين المتوكلين على الله تعالى حق توكله، أصحاب العزائم الكبرى، والهمم العالية.

ولقد كان هذا العقل المقاوم على حق في نظرته إلى العقل الصهيوني العسكري المحتل، والشاهد لذلك أن المقاومة الإسلامية المرابطة على الثغور منذ دخولها إلى ميدان المعركة ضد المحتل الإسرائيلي، لم يستطع العقل الصهيوني العسكري هزيمتها أو قهرها أو التغلب عليها بما يخرجها من دائرة المواجهة، وإنما على العكس من ذلك استطاع العقل المقاوم المرابط أن يصمد في وجه الآلة العسكرية للعقل الصهيوني المحتل، وإرغام هذا العقل على الإقدام على تراجعات وتنازلات في كثير من المواطن والمواقع، في بلبنان وفلسطين.

واليوم مع معركة طوفان الأقصى التي يقودها ، استطاع العقل الإسلامي المقاوم والمرابط أن يلحق هزيمة تاريخية نكراء بالعقل العسكري الصهيوني، مبرهنا بما لا يدع مجالا للشك أن هزيمة العقل العسكري الصهيوني حقيقة ساطعة، لا ينكرها إلا حاقد أو معاند، فلقد تمكن هذا العقل المقاوم في ساعات معدودة من الاستيلاء على قاعدة عسكرية صهيونية، تعج بآلاف الجنود، ومئات الآلات العسكرية المدمرة، متمكنا من أسر العشرات من جنوده وضباطه المتخصصين، بعد فرار الآلاف منهم من ميدان المعركة، كل ذلك في مشهد بطولي نادر، لم نكن نراه سوى في أفلام الخيال السينمائي، فلم ينفعه تفوقه العسكري، سواء في عدد الجنود أم في المعدات والآلات الحربية المدمرة، كما لم ينفعه جهازه الاستخباراتي، ووسائله الاستعلاماتية والتجسسية.

وعندما قرر العقل العسكري الصهيوني أن يدخل بجنوده إلى غزة، تحت شعار اقتلاع المقاومة من غزة، واسترجاع الأسرى، لقيه عقله المتغطرس هزيمة أخرى مخزية ومذلة، حيث كان جنوده يلقون حتفهم بالمئات، وتتعرض آلياته ومعداته الحربية للتدمير على أيدي المقاومين المرابطين، مثلما يدمر اللاعب آليات عدوه الافتراضي في ألعاب الأفلام الحربية الاكترونية، بل إن جنوده كانوا يتحاشون المواجهة المباشرة مع رجال المقاومة في الميدان، متحصنين داخل ذباباتهم وناقلات الجند، كل ذلك من شد الرعب الذي استولى على قلوبهم، حتى إن المئات منهم أصيبوا بالصدمات النفسية. فلم يستطيعوا أن يحققوا أي هدف من أهدافهم الاستراتيجيوة التي أعلنوا عنها، فلا هم قضوا على المقاومة الإسلامية، ولا هم تمكنوا من استرجاع الأسرى، علما أن الموارد السكرية التي جندها العقل العسكري الصهيوني لهذه المعركة في غزة، تعد بالآلاف من الجنود والمعدات والأجهزة، بحرا وبرا وجوا، كل ذلك بدا عاجزا أمام العقل السكري المقاوم المرابط في ميدان المعركة.

 ثانيا: الهزيمة الأخلاقية: مثلما العقل الصهيوني في المعركة العسكرية، فقد انهزم في ميدان المواجهة الأخلاقية والحضارية، وبصورة أشد وأفظع، فليس بمقدور أحد اليوم في العالم كله، إذا تأمل القليل من التأمل في مشهد العدوان الصهيوني على غزة، أن ينكر الانحطاط الأخلاقي والحضاري الذي وصل إليه العقل الصهيوني المحتل، فلقد فضحت معركة طوفان الأقصى الثقافة الحقيقية للعقل الصهيوني المحتل، وهي ثقافة تقوم على العنف والقتل والإبادة والتطهير العرقي، إذ لا يجد أصحاب هذا العقل أدنى حرج أو أقل وخزة ضمير أخلاقي في الإقدام على قتل العزل من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والمرضى، بل قتل الرضع الخدج، عن سبق إصرار وترصد، وأمام مرأى العالم ومسمعه، ناهيك عن قصف المستشفيات ومنع إمدادات الدواء وقطع الكهرباء والماء والشراب والطعام، في خرق تام وغير مسبوق لكل القوانين والاتفاقيات الدولية والأممية، ودس سافر على كل إعلانات حقوق الإنسانية العالمية والدولية، ومواثيقها المعروفة.

إن المتأمل في هذا السلوك الذي انتهجه العقل الصهيوني في مواجهة المقاومة الإسلامية وأهلها، لا يسعه إلا أن يعترف بأنه أمام ضرب جديد من النازية يتزعمها العقل الصهيوني المحتل، بتأييد من الدول الغربية صاحبة شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات، من غير استحياء ولا خجل، بما يشهد على أن هذا العقل قد نزل إلى مرتبة دون البهيمية، بوصفه عقلا وحشيا، يجسد كل أوصاف الاستكبار، ونعوت الاستعلاء، وكل أشكال الوقاحة، وصور الهمجية، معلنا بذلك عن بلوغه النهاية في الانحطاط  الأخلاقي والحضاري، حتى أضحى انحطاطه لا يؤذي الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما أصبح يهدد رصيد الإنسانية جمعاء من القيم الروحية والخلقية.

لقد انتصر العقل المقاوم وأهله، أخلاقيا وحضاريا، على العقل الصهيوني، إذ جسد في سلوكه وممارسته ومقاومته كل معاني السمو الأخلاقي والرقي الحضاري، من الرحمة والعدل والصبر والثبات على الحق واستحضار مراقبة الله تعالى … ويكفيك دليلا على ذلك حسن معاملته للأسرى الصهاينة، باعتراف هؤلاء الأسرى أنفسهم، مجسدا بهذه المعاملة الحسنى والفضلى تفوقا أخلاقيا وحضاريا على العقل الصهيوني النازي الذي جسد في سلوكه أبشع صور الانحطاط، وأقبح أشكال التردي، وأقذر أساليب الوقاحة، وأنجس أساليب الظلم، في استخفاف مطلق بحياة الآخرين.

إن هذا السلوك الهمجي الذي يقوم به العقل الإسرائيلي الصهيوني، من قتل للأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والمرضى والرضع، وإبادة وتطهير عرقي ومحاصرة تامة، صدم بقوة الإنسانية قاطبة، على اختلاف أعراقها وأديانها ولغاتها وأجناسها، وأسهم في إيقاظ فئات عريضة من الذين كانوا منخدعين بخطاب المظلومية الإسرائيلية أو اليهودية، وبأسطورة المحرقة النازية، بما جعلهم يستعيدون وعيهم الحقيقي، ويسترجعون ضمائرهم الحية، ويدركون بأنهم أمام نازية إسرائيلية جديدية، إذ شهدوا بأعينهم الجرائم الإسرائيلية البشعة في حق الفلسطينيين، ووقاحة أعمال الإبادة الجماعية التي تقوم بها، من أجل إخضاع العقل الإسلامي المقاوم، وإرغامه على الاستسلام، بعدما عجز الجيش الصهيوني عن مواجهته في ميدان المعركة العسكرية المباشرة، ولا أدل من هذه الصحوة المجتمعية العالمية، واليقظة الإنسانية الكونية، من مظاهر التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، خاصة تضامن المجتمعات الغربية، بوصفه مؤشرا على استعادة الوعي الأخلاقي للإنسانية، وانكشاف أسطورة المظلومية الإسرائيلية أو اليهودية، ليدرك هذا الوعي الإنساني العالمي بأنه أمام شعب فلسطيني عظيم، ومظلوم، يقاوم نازية الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني منذ ما يقرب من قرن من الزمن.

ونحن لا نرى في هذا السقوط الأخلاقي والحضاري للعقل الإسرائيلي الصهيوني سوى بداية لطور تاريخي عالمي جديد، تستعيد فيه القضية الفلسطينية مركز اهتمامات الوعي الإنساني العالمي، ويسحب فيه البساط من تحت أرجل أصحاب الكيان الإسرائيلي المحتل، بعدما ظهر إفلاسه الأخلاقي والحضاري، وانكشف وجهه النازي الحقيقي، وتبين للعالم كله أن هذا الكيان الإسرائيلي مجرد محتل لأرض غيره، غاصب لحقوق أهله، كما اتضح له أن العقل الصهيوني عقل مريض، أضحى يشكل خطرا حقيقيا على الحضارة الإنسانية في مختلف نواحيها، بوصفه مصدر لكثر من الشرور والآفات التي تعاني منها الإنسانية اليوم، وأن استمرار هذا العقل في البقاء وتأثيره في السياسة العالمية والدولية، ومواصلة دعمه من طرف الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لا يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلا إلى مزيد من العنف الدولي والعالمي والإقليمي.

والحاصل هنا أن العقل الإسلامي المقاوم المرابط على الثغور المقدسية، قدم نموذجا أخلاقيا وحضاريا عجيبا وراقيا، أبهر كل المجتمعات من مختلف أقطار الأرض، وجذب أنظار الإنسانية جمعاء، سواء في كيفيات مواجهته للعدوان الصهيوني أم في سلوكه الأخلاقي، إذ يجعل من القيم الروحية والخلقية أساس قراراته واختياراته وأفعاله، ملحقا بذلك هزيمة أخلاقية مدوية بالعقل الصهيوني، تشهد على انحطاط هذا العقل وهمجيته وتوحشه، كل ذلك يؤشر على بداية نهاية الكيان الإسرائيلي المحتل، وبزور فجر انبعاث قيم النموذج الأخلاقي المقاوم، فاتحة للإنسانية الحديثة آفاقا جديدة في التفكير والتخلق، تعيد للإنسان مكانته الأخلاقية، وتصحح نظرته للوجود والعالم والأشياء من حوله، بما يمكنه من استعادة فطرته الروحية الأولى.

بل إن تفوق العقل المؤيد المرابط على العقل الصهيوني المحتل، هو على الحقيقة، تفوق على العقل الحداثي الغربي الذي أفرز نمط العقل الإسرائيلي الصهيوني، فلقد أنهى طوفان الأقصى المؤيد أسطورة الجيش الإسرائيلي الصهيوني الذي لا يقهر أو لا يغلب في ميدان المعارك والمواجهات، وكشف عن وهنه البين، وضعفه الواضح، وأظهر للعالم كله ما يعاني منه من اضطرابات سلوكية مقززة، واختلالات أخلاقية فظيعة، وما أصابه من جنون ومرض، تخرج أصحابه من دائرة العقلاء إلى دائرة أكابر المجرمين الذين ينبغي التعجيل بمحاكمتهم والقصاص منهم قبل أن يجروا الإنسانية إلى الهاوية والفوضى الشاملة، أو على الأقل وضعهم في المصحات العقلية والنفسية والسلوكية، حتى ينكف شرهم عن الإنسانية.

ويكفي شاهدا على ذلك أن كل ما قام به في ميدان المعركة هو قتل العُزَّل من الأطفال والنساء والشيوخ، وقتل الرضع الخدج، وهدم البيوت والمنازل، وتخريب المستشفيات والمساجد والكنائس والمدارس وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، فضلا عن قطع الكهرباء والماء والطعام عن الناس، ويكفي هذا شاهدا على انهزام هذا العقل أخلاقيا وحضاريا، فضلا عن انهزامه عسكريا واستراتيجيا، حتى أضحى هذا العقل عند الناس من مختلف الأمم والأقوام مثال العقل المريض الذي يغرق في الهمجية والوحشية، ويسير على طريق النازية، بل ما هو أقبح من النازية التي كان يشتكي منها في الماضي،  معلنا عن إفلاسه، ونهايته.

ثالثا: الهزيمة الاستراتيجية: اعلم أن العقل الإسرائيلي الصهيوني المحتل لم ينفك عن التخطيط على الدوام لإنهاء الوجود الفلسطيني خاصة، وإنهاء الوجود العربي والإسلامي عامة، منذ بداية احتلاله لفلسطين وتسلطه عليها، تحت رعاية دول الاستكبار العالمي، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، متوسلا في السعي إلى تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي بكل الطرق والأدوات الممكنة، ومكتسحا من أجل إنجازه كل المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، بل إن هذا العقل استطاع أن يجر إلى صفه مجموعة من قادة الدول العربية والإسلامية، بما جعلهم يهرولون إلى توقيع اتفاقيات التطبيع معه، تحت شعارات ملتبسة، من قبيل التعايش والسلم والتسامح، واقضاء على أسباب العنف والنزاع في المنطقة الشرق أوسطية.

لكن العقل الإسلامي المقاوم المرابط على الثغور المقدسية، بفضل مقاومته وصموده وتخطيطه، المؤسس على التزكية الروحية والخلقية أو قل التجربة الإيمانية الروحية، تمكن من إفشال كل مخططاته الاستراتيجية، وعرقلتها وإعاقتها عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية المرسومة، وعلى رأسها إنهاء المقاومة الإسلامية، والقضاء على الوجود الفلسطيني، وتحييد الوجود العربي والإسلامي حضاريا وسياسيا، وكانت معركة طوفان الأقصى الضربة القضية التي أصابت الكيان الصهيوني في مقتله الاستراتيجي، إذ شلت كل إمكاناته وقدراته المسخرة لتحقيق مخططاته الاستراتيجية، وأبطلت كل مساعيه وجهوده لتجسيد هذه المخططات في الواقع، ملحقا به هزيمة استراتيجية مذلة لا يمكن للعقل الصهيوني أن يخفيها مهما أنكر أو تستر، مؤشرة بذلك – أعني معركة طوفتن الأقصى – عن بداية طور جديد من حياة الكيان الصهيوني المحتل، ينتقل فيها من طور الهجوم والمبادرة والاستباق إلى طور محاولة الدفاع من أجل حفظ وجوده الذاتي فقط، معلنا بذلك عن بداية نهاية حلمه المسمى “إسرائيل الكبرى” وتبخر أحلامه الطويلة في إقامة “إمبراطورية إسرائيل العظمى”.

ولا أدل على هذه الهزيمة الاستراتيجية للعقل الصهيوني مما بدأ يظهر في هذا الكيان من تصدعات وتشققات داخلية في الصف السياسي الصهيوني، وما بدأ يبرز إلى العلن من خلافات حقيقية بين مختلف مكوناته السياسية والحزبية، لم تكن تظهر فيه في مختلف الأطوار التاريخية التي تقلب فيها، وعجز جيوشه العرمرة عن تحقيق أي هدف استراتيجي في ميادين المعارك التي يخوضها في مواجهة العقل الإسلامي المقاوم، وانقلاب أغلب الشعوب والمجتمعات الغربية من موقف المتعاطف أو المناصر للكيان الإسرائيلي المحتل إلى موقف المعارض لسياسة هذا الكيان والكاره له والمشمئز من تصرفاته وسلوكاته الهمجية والوحشية ضد العزل من الفلسطينيين، أو على الأقل موقف المنتقد لهذا الكيان.

وهذا التحول في الموقف من الكيان الإسرائيلي الصهيوني في المجتمعات الغربية التي كانت تناصره أو على الأقل تتعاطف معه طوال عقود عدة، لعمري إنه أكبر ضربة أصابت الكيان الصهيوني في المقتل أو العمود الفقري، بوصفها مؤشرا على بداية فقده للنفير العالمي الذي كان يحظى به، لفائدة القضية الفلسطينية، بحيث أضحت اليوم تستميل تعاطف أغلب المجتمعات والشعوب، بمختلف أجناسهم وعقائدهم وأعراقهم، وتستقطب اهتمامات المفكرين والدارسين والأخلاقيين في العالم، بوصفها قضية شعب مظلوم، يقاوم الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني منذ ما يقرب القرن من الزمن، من أجل استعادة حريته، ونيل استقلاله، واسترجاع أرضه وحقوقه المغصوبة، بل إن المقاومة الإسلامية المرابطة عل الثغور، برجالاتها وشعوبها وقاداتها، أصبحوا رمزا للبطولة المقاومة، والنضال المستميت، من أجل الحرية والكرامة والاستقلال واسترداد الحقوق وطرد المحتل الغازي.

وفي المقابل افتضح الكيان الإسرائيلي المحتل، وانكشفت ساديته الوحشية، وإرهابه الإقليمي والدولي والعالمي، وارتفع الغطاء عما خبثه وكراهيته وبغضه وحقده، حتى صار مجرد ذكر اسمه يثير التقزز، ويبعث على الاشمئزاز عند الناس في كل مكان، بسبب وقاحته واسعلائه واستكباره وجرائمه في حق الشعب الفلسطيني عموما والغزي خصوصا، من غير نسيان جرائمه في حق الشعوب الأخرى خاصة لبنان.

إن هذه صمود العقل الإسلامي المقاوم المرابط على الثغور أدى إلى إفشال بل إسقاط جميع المخططات الاستراتيجية التي وضعها العقل الإسرائيلي الصهيوني، وتبخر كل أطماعه وأحلامه في إقامة إمبراطورية إسرائيل الكبرى، مؤشرا بذلك على الهزيمة الاستراتيجية للعقل الإسرائيلي الصهيوني المحتل، وبداية طور نهاية الاحتلال الصهيوني.

خاتمة

والحاصل أن الكيان الإسرائيلي الصهيوني المحتل الذي نشر الرعب في قلوب كثير من المتزلفة العرب وغيرهم، وخدع جما غفيرا من المحللين والدارسين والباحثين والخبراء لعقود عدة، حيث ظلوا ينظرونه إليه بوصفه كيانا قويا، ليس بالإمكان قهره أو هزيمته في ميدان المواجهة أو المعركة، إلا أن تُحصِّل ما حصَّله من إمكانات وقدرات ووسائل، إن هذا الكيان اليوم يعيش أضنك اللحظات في حياته، وأسود الأيام في تاريخه، فعلى قدراته وإمكاناته المتعددة، ووسائله وأدواته الهائلة، وعدته العسكرية والاستخباراتية المتجبرة، وقدرته الكبير على المراقبة والإحاطة والتتبع، لم يستطع أن يصمد أمام العقل الإسلامي المقاوم المرابط في معركة طوفان الأقصى أكثر من ساعات معدودة، إذ تمكن هذا العقل الإسلامي المقاوم أن يهزمه في الميدان بدون مشقة ولا صعوبة، ملحقا به العار والمذلة، وكاشفا عن تهافته وضعفه، ومحدودية قدراته وإمكاناته على كثرتها، معلنا بداية عن نهاية أسطورة الجيش الإسرائيلي الصهيوني الذي لا يقهر.

والسر في هذه الهزيمة النكراء التي تلقاها الكيان الإسرائيلي الصهيوني كما ألمحنا إليه في السابق، لا يرجع إلى مجرد التخطيط المحكم للعقل الإسلامي المقاوم المرابط، والرصد الدقيق لمكامن الضعف في العقل العسكري الإسرائيلي الصهيوني، فهذه الأسباب المادية على أهمتها التي لا تنكر، لم تكن العامل الحاسم في الانتصار على العقل الإسرائيلي الصهيوني، وإنما السر في تحقيق هذا النصر التاريخي العظيم يرجع أساسا إلى نموذج العقل الإسلامي المقاوم المرابط، وخصوصيته الفريدة، وهو بالذات “نموذج العقل المؤيد”، ويختص هذا النموذج من العقل، في مختلف عمليات التفكير والتدبير والتخطيط والتنظير ورسم الاستراتيجيات، بكونه لا يأخذ بالأسباب المادية مجردة، وإنما يقوم بتأسيس الأخذ بهذه الأسباب على الاشتغال بالتزكية الروحية والخلقية أو الممارسة القربانية، فلا يكتفي بمجرد الأخذ بالأسباب المادية وإنما يحرص بالأساس على أن يكون ذلك الأخذ مبنيا كله على تحصيل المعية الإلهية، بوصفها أساس كل توفيق أو نصر، وعلى رأسها تحصيل مقام التوكل على الله تعالى، قولا وعملا، متوسلا في ذلك بما شرعه الله تعالى من الأعمال الروحية والخلقية الشرعية.

فهذه المرتبة من العقل التي حصلها المقاوم الإسلامي المرابط على الثغور المقدسية، تجعل استراتيجياته ومخططاته، بل تجعل مرابطته المقدسية تخرج عن طور العقل المجرد الذي يأخذ به العقل الإسرائيلي الصهيوني الذي هو أدنى مراتب العقل، بحيث مهما بلغت إمكاناته، وعظمت قدراته، واتسعت مداركه، ودقت مخططاتاه، فليس بمقدوره أن يحيط بالعقل المؤيد المرابط، ولا أن يتمكن من مراقبته أو التحكم في أفعاله، أو التأثير في طرائق تفكيره وتوجيهها، أو التغلب على أصحابه من المقاومين المرابطين على الثغور المقدسية، لأن العقل المؤيد الذي تحقق به هؤلاء المقاومون لا يستمد قوته من مما حصله من الأسباب المادية، وإنما يستمد قوته أساسا من المصدر الإلهي المطلق، بفضل اشتغاله بالعمل بالقيم الإيمانية التي تضرب بجذورها في عالم الملكوت الإلهي، بما جعله يحصل المعية الإلهية، إذ يكون موصولا على الدوام بالأفق الروحي، ومشدودا إلى المصدر الإلهي الذي يمده على الدوام بأسباب القوة والتأييد والتوفيق في مواجهة العدوان الصهيوني، وغطرسة الإسرائيلي المحتل، فما يظهر من نقص في الأسباب المادية، آليات وأدوات، عند العقل المؤيد المقاوم يقابله تفوق مطلق في التحقق بالقوة الروحية أو الإيمانية التي لا يمكن لأي قوة أن تهزمها كيفما كانت حدة بأسها، ومهما بلغت شدة سطوتها، لأن هذه القوة ذات صبغة لطيفة رقيقة أو رقيقة تخرج عن طور العقل المجرد، فلا تنفعه وسائله أو آلياته المادية في رصدها أو مواجهتها أو التغلب عليها.

الوسوم : الانتصار العسكريالمقاومةطوفان الأقصىغزة
مصطفى أمقدوف

مصطفى أمقدوف

مصطفى امقدوف أستاذ باحث في العلوم الشرعية والفكر الإسلامي والفلسفة؛ له عدة إصدارات ومقالات علمية

ذات صلةالمقالات

طوفان الأقصى والمنعطف التاريخي الجديد: المقاصد والدلالات

طوفان الأقصى والمنعطف التاريخي الجديد: المقاصد والدلالات

تحت راية الطوفان: رسالة من الأنفاق للشرفاء والأحرار

تحت راية الطوفان: رسالة من الأنفاق للشرفاء والأحرار

المؤلَّفات المغربية عن الشمائل المحمدية في عهد الدولة العلوية

المؤلَّفات المغربية عن الشمائل المحمدية في عهد الدولة العلوية

فايسبوك يوتيوب تويتر RSS

بحث مبدع وتجديد فكري لنهوض حضاري

التجديد الفكري والتفكير النقدي والتأثير عن طريق الدراسات في توجهات الرأي العام وصناع القرار.

تصنيفات :

  • أنشطة المركز
  • إصداراتنا
  • اخترنا لكم
  • ترجمات
  • تقدير موقف
  • حوارات
  • دراسات وأبحاث
  • شخصيات وأفكار
  • قناة معارف
  • مدونات معارف
  • مراجعات
  • مقالات
  • مقالات مختارة

مستجدات :

إصدار “كتاب الصكوك الاستثمارية في التمويل الإسلامي: صكوك الإجارة أنموذجا”

إصدار “كتاب الصكوك الاستثمارية في التمويل الإسلامي: صكوك الإجارة أنموذجا”

لـ إدارة المركز
0

طوفـان الأقصـى: الأبعاد التاريخية والدلالات الاستراتيجية – الجزء الخامس –

طوفـان الأقصـى: الأبعاد التاريخية والدلالات الاستراتيجية – الجزء الخامس –

لـ Kamal Amziane
0

مركز معارف © 2026 | تطوير تطوير Alindevx00x

لا توجد نتائج
الإطلاع على النتائج
  • الرئيسية
  • مركز معارف
    • من نحن؟
    • أهداف المركز
    • مشاريع المركز
    • شروط النشر
    • كتابنا
  • أنشطة المركز
  • دراسات وأبحاث
  • مقالات
    • مقالات مختارة
  • شخصيات وأفكار
  • مراجعات
  • ترجمات
  • حوارات
  • مدونات معارف
  • إصداراتنا
  • ملفات

مركز معارف © 2026 | تطوير تطوير Alindevx00x

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In